استراتيجية ترامب الجديدة للامن القومي تتبنى شعار "امريكا اولا" بالكامل
بقلم ريشي ايينجار كاتب في مجلة فورين بوليسي وكريستينا لو كاتبة في مجلة فورين بوليسي
اصدرت ادارة ترامب استراتيجيتها الجديدة للامن القومي التي طال انتظارها في وقت متأخر من ليلة الخميس، مقدمة رؤية تحاول التوفيق بين استمرار سعي الولايات المتحدة الى الهيمنة العالمية وبين انكفائها عن كثير من جوانب دورها الدولي الذي استمر عقودا طويلة.
الخيط الناظم الوحيد في الاستراتيجية، التي تروج للتدخلية في مواضع وتهاجمها في مواضع اخرى، هو دفع طموحات واشنطن الى الامام.
كتب الرئيس الامريكي دونالد ترامب في مقدمة الوثيقة، التي وصفها بأنها “خارطة طريق لضمان بقاء امريكا اعظم وانجح دولة في تاريخ البشر”، قائلا “في كل ما نقوم به، نضع امريكا اولا”.
مع ذلك، تبدأ الفقرات الافتتاحية للاستراتيجية بتعريف نموذجي في الكتب الدراسية لمفهوم الاستراتيجية بوصفها “خطة ملموسة وواقعية تشرح الصلة الاساسية بين الغايات والوسائل”، ثم تنتقل سريعا الى مهاجمة النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، معلنة بوضوح القطيعة معه.
تقول الوثيقة ان نخب السياسة الخارجية الامريكية اقنعت نفسها بان الهيمنة الامريكية الدائمة على العالم كله تصب في مصلحة البلاد، لكنها تضيف ان شؤون الدول الاخرى لا تعنينا الا اذا هددت مصالحنا بصورة مباشرة. وتتابع ان “نخبنا اساءت حساب مدى استعداد امريكا لتحمل الى الابد اعباء عالمية لا يرى الشعب الامريكي اي صلة بينها وبين المصلحة الوطنية”.
يتخلل الاستراتيجية خطاب يردد صدى افكار قومية بيضاء مرتبطة بنظرية المؤامرة المعروفة باسم “الاستبدال العظيم”. ففي موضع ما تحذر الوثيقة من “محو حضاري” محتمل في اوروبا وتدعو الى استعادة “الهوية الغربية” للقارة. كما تشير الى قلق ادارة ترامب من تراجع معدلات الولادة، مؤكدة ان “تزايد اعداد الاسر التقليدية القوية التي تربي اطفالا اصحاء” ضروري “لاستعادة وانعاش الصحة الروحية والثقافية الامريكية”.
وتقسم الاستراتيجية رؤية ادارة ترامب للعالم الى خمس مناطق جغرافية، تضع لكل منها مبادئ وتوجهات خاصة تجاه الحلفاء والشركاء والخصوم وغيرهم.
نصف الكرة الغربي
يعيد ترامب تركيز نفوذ الولايات المتحدة على جوارها المباشر، وهو من اول واوضح اجزاء الاستراتيجية وقد جرى التمهيد له منذ اشهر، من بينها هذا الاسبوع عندما نشرت الادارة ما وصفته بــ”صيغة ترامب” على مبدأ مونرو لعام 1823، مؤكدة فيه ان “الشعب الامريكي، لا الدول الاجنبية ولا المؤسسات العالموية، هو من سيتحكم دائما في مصيره في نصف الكرة الخاص بنا”.
توضح الاستراتيجية ان هذا اعادة التوجيه تخدم في المقام الاول احد اكبر اولويات ترامب، اي كبح تدفق البشر والمخدرات عبر الحدود الامريكية. وجاء فيها “سنستعين باصدقائنا الراسخين في نصف الكرة للسيطرة على الهجرة، ووقف تدفق المخدرات، وتعزيز الاستقرار والامن برا وبحرا”. ويشمل ذلك “اعادة ضبط وجودنا العسكري العالمي لمواجهة التهديدات العاجلة في نصف الكرة” و”نشرات موجهة لتأمين الحدود وهزيمة الكارتلات، بما في ذلك استخدام القوة المميتة عند الضرورة”.
وفي هذا السياق، تواصل الوثيقة طمس الحدود بين المصالح الامنية والدبلوماسية والتجارية للولايات المتحدة، على نحو يعكس ممارسات ادارة ترامب العملية. فهي تشدد على ان “على جميع سفاراتنا ان تكون على دراية بالفرص التجارية الكبرى في بلدان عملها، ولا سيما العقود الحكومية الكبرى”، وان “كل مسؤول في الحكومة الامريكية يتعامل مع هذه البلدان يجب ان يدرك ان جزءا من عمله هو مساعدة الشركات الامريكية على المنافسة والنجاح”.
كما تسعى الاستراتيجية الى التصدي لتوسع نفوذ الصين في امريكا اللاتينية من دون تسميتها مباشرة، اذ تنص على ان “كل مسؤول امريكي يعمل في هذه المنطقة او معني بها يجب ان يحيط علما بالصورة الكاملة للتأثير الخارجي الضار، وان يمارس في الوقت نفسه الضغط ويقدم الحوافز للدول الشريكة كي تحمي نصف الكرة الخاص بنا”.
اسيا
في جوار الصين المباشر، تهدف الاستراتيجية الامريكية الى حشد الحلفاء والشركاء لردع اكبر منافس ند لواشنطن. وتقول الوثيقة “لكي نزدهر في الداخل، يجب ان ننجح في المنافسة هناك، وهذا ما نفعل”، مستشهدة باتفاقات ترامب مع اليابان وكوريا الجنوبية ودول اخرى في جنوب شرق اسيا خلال زيارته للمنطقة في تشرين الاول.
ترتكز هذه المقاربة على ركيزتين هما اعادة التوازن الاقتصادي والردع العسكري، وهما مجالان تحث الاستراتيجية فيهما الحلفاء في المنطقة، وفي اماكن اخرى، على المساعدة في كبح نفوذ الصين. وجاء فيها ان “علينا تشجيع اوروبا واليابان وكوريا واستراليا وكندا والمكسيك ودولا بارزة اخرى على تبني سياسات تجارية تساعد على اعادة توجيه الاقتصاد الصيني نحو الاستهلاك المنزلي، لان جنوب شرق اسيا وامريكا اللاتينية والشرق الاوسط لا يمكنها وحدها استيعاب الطاقة الفائضة الهائلة للصين”. وتضيف ان “الدول المصدرة في اوروبا واسيا يمكنها ايضا التوجه الى الدول متوسطة الدخل كسوق محدودة لكنها آخذة في الاتساع لصادراتها”.
وتسعى الاستراتيجية كذلك الى تعبئة “الاصول الاجنبية الصافية البالغة 7 تريليونات دولار” التي تملكها “اوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها”، الى جانب نحو 1.5 تريليون دولار من الاصول التي تديرها المؤسسات المالية الدولية مثل بنوك التنمية متعددة الاطراف، في مواجهة الصين. ومع ذلك، تبقى الخطة خاضعة لمنطق “امريكا اولا”. فالوثيقة تؤكد ان “هذه الادارة عازمة على استخدام موقعها القيادي لتنفيذ اصلاحات تضمن ان تخدم هذه المؤسسات المصالح الامريكية”.
وعلى الرغم من حرص ترامب على التوصل الى اتفاق تجاري مع الصين والمحافظة عليه، وهو اتفاق توصفه الاستراتيجية بانه يجب ان يكون “متوازنا ويركز على العوامل غير الحساسة”، فان الوثيقة لا تقدم تنازلات في اثنين من اهم الطموحات العسكرية الصينية. فهي تعلن ان “ردع نشوب صراع حول تايوان، ويفضل ان يتم ذلك من خلال الحفاظ على تفوق عسكري، يمثل اولوية”، وتضيف “سنحافظ كذلك على سياستنا المعلنة الراسخة تجاه تايوان، بما يعني ان الولايات المتحدة لا تدعم اي تغيير احادي للوضع القائم في مضيق تايوان”.
وبالتوازي مع ذلك، تسعى ادارة ترامب الى نقل جزء اكبر من الاعباء العسكرية الى دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وتقول الوثيقة “يجب ان نحض هذه الدول على زيادة انفاقها الدفاعي، مع التركيز على القدرات، بما فيها القدرات المستجدة، اللازمة لردع الخصوم”.
وتسند الاستراتيجية ايضا دورا بارزا للهند، على الرغم من ان علاقة واشنطن بنيودلهي تمر في ادنى مستوياتها منذ عقدين في عهد ترامب. فهي تشدد على انه “يجب ان نواصل تحسين العلاقات التجارية وغيرها مع الهند لتشجيع نيودلهي على الاسهام في امن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك من خلال استمرار التعاون الرباعي مع استراليا واليابان والولايات المتحدة” في اطار ما يعرف بالرباعية.
اوروبا
يتجلى منطق تقاسم الاعباء وصياغة سياسات مفصلة بشكل اكثر حدة في القسم المتعلق باوروبا.
تستعيد الوثيقة ثيمات من خطاب نائب الرئيس جي دي فانس المثير للجدل في مؤتمر ميونيخ للامن في شباط، اذ تحذر من “افق قاتم لمحو حضاري” في اوروبا، وتعزو ذلك جزئيا الى “قمع حرية التعبير وكبح المعارضة السياسية، وتهاوي معدلات الولادة، وفقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس”، اضافة الى سياسات الهجرة المتبعة في القارة. وتقول “نريد لاوروبا ان تبقى اوروبية، وان تستعيد ثقتها الحضارية بنفسها، وان تتخلى عن تركيزها العقيم على الخنق التنظيمي”.
وعلى الرغم من تمسك الادارة بشعار “امريكا اولا”، ترى الاستراتيجية ان على واشنطن “مساعدة اوروبا على تصحيح مسارها الحالي”، بما في ذلك من خلال “تنمية قوى مقاومة داخل الدول الاوروبية”. وتشير الوثيقة الى “النفوذ المتزايد للاحزاب الاوروبية الوطنية” وتعتبره “مصدر تفاؤل كبير”.
وتدعو الوثيقة ايضا الى المزيد من التدخل في ادارة العلاقة بين اوروبا وروسيا، اذ تقدم المفاوضات الجارية بقيادة الولايات المتحدة لانهاء حرب روسيا في اوكرانيا بوصفها خطوة ضرورية “لاعادة ترسيخ شروط الاستقرار الاستراتيجي في عموم الكتلة الاوراسية، وللتقليل من مخاطر اندلاع صراع بين روسيا والدول الاوروبية”.
وتشدد الاستراتيجية على ضرورة “وقف سريع للاعمال العدائية في اوكرانيا” وعلى “اعادة اعمار ما بعد النزاع” بطريقة “تمكنها من البقاء دولة قابلة للحياة”، لكنها لا تقدم تفاصيل تذكر عن شروط وقف القتال. وفي المقابل، تهاجم “المسؤولين الاوروبيين الذين يحملون توقعات غير واقعية للحرب” وتتهمهم بتجاهل ارادة شعوبهم. وتقول ان “اغلبية اوروبية واسعة تريد السلام، غير ان هذه الرغبة لا تترجم الى سياسات، الى حد بعيد بسبب تقويض تلك الحكومات للعمليات الديمقراطية”.
وفي ما يتعلق بحلف شمال الاطلسي، تردد الاستراتيجية مقولة محورية تكررها موسكو بشأن عضوية اوكرانيا في الحلف، اذ تدرج “انهاء تصور الحلف، ومنع تحوله فعليا، الى تحالف يتمدد بلا انقطاع” ضمن الاهداف الامريكية الرئيسية.
الشرق الاوسط
في المقابل، يمثل القسم الخاص بالشرق الاوسط تحولا كبيرا عن الهدف الامريكي التقليدي المعلن والمتمثل في الترويج للديمقراطية حول العالم. فالشراكة مع دول المنطقة، كما تذكر الوثيقة، “ستستلزم التخلي عن تجربة امريكا الخاطئة في توبيخ هذه الدول، ولا سيما الملكيات الخليجية، ودفعها الى التخلي عن تقاليدها واشكال حكمها التاريخية”. وتضيف ان المطلوب هو تشجيع الاصلاح والثناء عليه “حين يظهر وينمو بصورة عضوية”، من دون محاولة فرضه من الخارج.
ويعكس هذا التوجه ما تسميه الاستراتيجية “الواقعية المرنة”، وهو مبدأ عام يرد في بدايات الوثيقة. فهي تعلن ان الولايات المتحدة “تسعى الى علاقات طيبة وعلاقات تجارية سلمية مع دول العالم من غير فرض تغييرات ديمقراطية او اجتماعية عليها تتعارض جذريا مع تقاليدها وتواريخها”.
وترى ادارة ترامب ان الصراعات المستمرة في المنطقة اقل خطورة “مما قد توحي به العناوين الصحفية”. فالوثيقة تجادل بان ايران “اضعفتها بشكل كبير الضربات الاسرائيلية والامريكية”، وان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني “لا يزال شائكا” لكنه يتجه “نحو سلام اكثر ديمومة”، وان سوريا “تبقى مشكلة محتملة لكنها قد تستقر وتستعيد موقعها الطبيعي لاعبا مركزيا وايجابيا في المنطقة”.
وفي الوقت نفسه، تقدم الوثيقة دول الخليج المذكورة آنفا بوصفها مصدرا رئيسيا “لدعم التفوق الامريكي في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي”، وهو ما عززته جولة عقد الصفقات التي قام بها ترامب في المنطقة في وقت سابق من العام.
وعلى المستوى العام، تؤكد الاستراتيجية ان الايام التي كان فيها الشرق الاوسط يهيمن على السياسة الخارجية الامريكية، في التخطيط بعيد المدى كما في التنفيذ اليومي، قد انتهت، لا لان المنطقة فقدت اهميتها، بل لانها لم تعد “مصدر ازعاج دائم ومصدر خطر وشيك لكارثة” كما كانت. وتضيف ان الشرق الاوسط “بدأ يبرز مكانا للشراكة والصداقة والاستثمار”، وتصف هذا المسار بانه تطور ينبغي الترحيب به وتشجيعه.
افريقيا
من بين تسع وعشرين صفحة، لا تحظى افريقيا الا بثلاث فقرات في الاستراتيجية الجديدة، وهي منطقة لطالما احتلت موقعا هامشيا في اهتمام صناع السياسات في واشنطن. وتعكس الوثيقة مقاربة معاملاتية صريحة، تركيزها الاساسي على عقد شراكات تعزز المصالح التجارية للولايات المتحدة وتحقق عوائد استثمارية.
وتشير الاستراتيجية الى انه “على مدى فترة طويلة جدا، انصبت السياسة الامريكية في افريقيا على توفير الايديولوجيا الليبرالية، ثم على نشرها”. وترى انه يتعين على الولايات المتحدة مستقبلا الانتقال من نهج قائم على المساعدات الى نهج يركز على التجارة والاستثمار مع الدول التي “التزمت بفتح اسواقها امام السلع والخدمات الامريكية”.
وترى الوثيقة ان الفرص الاستثمارية المباشرة، التي تتمتع “بآفاق جيدة لتحقيق عائد” ويمكن ان “تولد ارباحا للشركات الامريكية”، تكمن في قطاعي الطاقة والمعادن الحيوية. وتضيف ان الولايات المتحدة قادرة ايضا على المساهمة في التوسط لتسويات للنزاعات المستمرة والمساعدة في منع اندلاعها، مع التحذير من ان على واشنطن “ان تبقى يقظة حيال تجدد نشاط الجماعات الارهابية الاسلامية” وان تتجنب “اي وجود امريكي طويل الامد او التزامات ممتدة”.


