استراتيجية الامن القومي بين الجيد والمربك وجرس الانذار
5 ديسمبر 2025
بقلم إميلي هاردينج: مديرة برنامج الاستخبارات والامن القومي والتكنولوجيا ونائبة رئيس قسم الدفاع والامن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن
تمثل استراتيجية الامن القومي هذه تحولا ايديولوجيا وعمليا عميقا في السياسة الخارجية الامريكية. تحاول الادارة ان تصوغ مبدأ جديدا للسياسة الخارجية يقوم على شعار امريكا اولا بوصفه نهجا شديد العملية وربما قصير النظر في الوقت نفسه. يتضح مثلا ان اجندة نشر الديمقراطية قد طويت. فالخيارات في السياسة الخارجية ستتخذ بناء على ما يجعل الولايات المتحدة اكثر قوة وازدهارا. من زاوية داخلية هذا منسجم مع ما صوت له الناخب الامريكي، ولكن هذه الاختيارات القائمة على المصلحة الذاتية اليوم قد تقود في الغد الى مستقبل اكثر وحدة وضعفا وتشققا. نحن امام لحظة مفصلية حقيقية في طريقة عمل النظام العالمي.
تشكل هذه الاستراتيجية جرس انذار قاسيا وصادما لاوروبا. فهي تكشف عن فجوة هائلة بين صورة اوروبا عن نفسها وبين رؤية ترامب لاوروبا. واذا كان لدى الاوروبيين اي شك سابق في ان ادارة ترامب ماضية بالكامل في ما يشبه استراتيجية الحب القاسي، فقد زال هذا الشك الان. اذ تطلب الادارة وبنبرة اقرب الى الاملاء ان تتولى اوروبا ضبط اقليمها بنفسها وان تمول ذلك من مواردها. والمثير للقلق اكثر في الاستراتيجية هو مقاطعها التي توبخ اوروبا على فقدان طابعها الاوروبي. فالنبرة الكامنة وراء هذه العبارات تبدو كأنها تغذي الخوف من المهاجرين وتتشبث بصورة مثالية لاوروبا القديمة، وهي صورة محل تساؤل في احسن الاحوال. اوروبا المعاصرة كيان نابض ومتغير وفي العموم راض عن ذاته. ومن المرجح ان يكون رد فعل معظم الاوروبيين على هذه الاستراتيجية مزيجا من الذهول والانقباض المشابه لما رافق خطاب نائب الرئيس جي دي فانس في مؤتمر ميونيخ.
سيسر الصين جزءان من هذه الاستراتيجية فيما سيثير باقيها استياءها. ستحب بكين تحديدا التصريح الصريح بان التفضيل الامريكي هو عدم التدخل في شؤون الدول الاخرى، والالتزام المعلن باحترام سيادة الدول. وقد يخفف ذلك من مخاوفها القديمة من سعي الولايات المتحدة الى تقويض استقرار الانظمة. في المقابل ستنزعج بشدة من الدعوة الصريحة الى خروجها من امريكا اللاتينية ومن المقاربة القوية للردع، على الرغم من انهما تمثلان موقفين ضروريين وسليمين من وجهة نظر السياسة العامة. ويمكن القول ان القسم المتعلق بالمحيط الهادي متماسك وقوي.
براغماتية من دون مذهب براغماتي
وصلت سياسة خارجية تقوم على مبدأ امريكا اولا الى مرحلة التبلور. تقدم الوثيقة نفسها رؤية تقول ان سياسة ترامب الخارجية عملية من دون ان تتبنى البراغماتية كمذهب فلسفي، وواقعية من دون ان تنتمي الى المدرسة الواقعية الكلاسيكية، ومبدئية من غير ان تكون مثالوية، وقوية من غير ان تكون صقورية، ومحافظة على قدر من الانكفاء من غير ان تكون حمائمية. لا تنطلق هذه السياسة من ايديولوجيا حزبية تقليدية، بل من معيار واحد هو ما ينفع امريكا، اي امريكا اولا.
يبرز نهج الاستراتيجية هذا بوضوح خاص في موضعين اساسيين هما اللغة المستخدمة حول النمو الاقتصادي، والاعلان الفعلي عن نهاية استراتيجية الديمقراطية.
في موضوع الاقتصاد، تنطلق الاستراتيجية من منطق واضح يفيد بان الولايات المتحدة تحتاج الى النجاح في التجارة لتكون قوية في الداخل، وان هذه القوة الداخلية ستسمح لها بتحقيق مكاسب اضافية في الخارج. هذا التصور في ذاته معقول، غير ان السؤال الحاسم يتعلق بكيفية بناء تلك العلاقات التجارية الاكثر ازدهارا عندما تنتقل الافكار العامة الى مستوى السياسات الملموسة. تشير الوثيقة الى اعادة التصنيع، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، وتأمين المعادن والموارد الحيوية. كل ذلك يبدو منطقيا على مستوى العناوين، اما كيفية تحقيقه فهي التحدي الحقيقي. وستجد الشركات الامريكية ما يشجعها بقوة في الدعوة الصريحة الى تعزيز التعاون بين الحكومة الامريكية والقطاع الخاص في الولايات المتحدة. والاهم ان الرئيس كلف جميع السفراء بادوار اشبه بمندوبين دائمين عن الاعمال الامريكية، اذ يفترض بسفارات الولايات المتحدة ان تكون على اطلاع على فرص الاعمال الرئيسة في البلدان التي تعمل فيها، ولا سيما العقود الحكومية الكبرى، كما يفترض بكل مسؤول حكومي يتعامل مع تلك الدول ان يدرك ان من صلب عمله مساعدة الشركات الامريكية على المنافسة والنجاح.
اما افق الديمقراطية فيبدو اكثر قتامة بكثير. اذ يبدو ان الادارة قررت ان دفع الحكومات نحو اصلاحات ديمقراطية يأتي في مرتبة متدنية ضمن سلم اولوياتها. فالديمقراطية تتحول في هذه الرؤية من افق لبناء عالم اكثر سلمية يقوم على مواطنين مستقلين ومتمكنين، الى مجرد مكسب اضافي مرغوب فيه حين لا يتعارض مع المصالح. ففي ما يخص امريكا اللاتينية تنص الاستراتيجية على ان الولايات المتحدة ستكافئ وتشجع الحكومات والاحزاب والحركات التي تتوافق بصورة عامة مع مبادئها واستراتيجيتها، ثم تستدرك بالقول ان ذلك لا يعني تجاهل الحكومات ذات الرؤى المختلفة التي تتقاطع معها في المصالح وتبدي استعدادا للعمل معها. وفي القسم الخاص بافريقيا تشير الوثيقة الى ان السياسة الامريكية هناك انشغلت طويلا بتقديم الايديولوجيا الليبرالية ثم بمحاولة نشرها.
يرجح ان يكون في العبارة الاخيرة انتقاد ضمني لما تصفه بعض الادبيات المعاصرة بالنهج المستيقظ، غير ان لها ايضا تبعات عملية على برامج دعم الديمقراطية. وفي ما يتعلق بالشرق الاوسط، سيجد الملوك والحكام في المنطقة ما يبعث على الارتياح عند قراءتهم التعهد بالتخلي عن ما تسميه الوثيقة التجربة المضللة المتمثلة في تعنيف هذه الدول، ولا سيما الممالك الخليجية، ودفعها الى التخلي عن تقاليدها واشكال حكمها التاريخية. وتضيف ان المطلوب هو تشجيع الاصلاح والاشادة به عندما ينبثق من داخل المجتمعات ومن دون فرض خارجي. ولو اردنا تشبيه هذه المقاربة بشعار ثقافي معاصر لقلنا ان روح عبارة افعل ما يناسبك التي انتشرت في الثقافة الشبابية تجد ترجمتها الكاملة هنا في السياسة الخارجية. فالطغاة لن يواجهوا ضغطا جديا من واشنطن ما دام بوسعها العمل معهم. ويستحق التذكير هنا ان ادارة ريغان تعاملت ايضا مع انظمة مستبدة، لكنها فعلت ذلك في اطار هدف ايديولوجي تعتبره ملحا هو هزيمة الشيوعية، في حين ان الهدف النهائي لادارة ترامب هو الرخاء الاقتصادي.
الصين في دائرة التنبيه
تحمل هذه الاستراتيجية للصين في آن واحد عناصر طمأنة وعناصر ازعاج. تتمثل الطمأنة في التعهد بعدم التدخل في شؤون الدول الاخرى واحترام السيادة الوطنية، وهما مطلبان تكرر بكين وموسكو وطهران وبيونغ يانغ طرحهما كلما عبرت واشنطن عن رغبتها في اصلاحات ديمقراطية عبر الحدود.
تتضمن الوثيقة نقدا قاسيا، وان كان منصفا في خطوطه العامة، للسياسات السابقة تجاه الصين، مستفيدا من حكمة النظر الى الماضي. فالاستراتيجية تمجد قرار ترامب بالقول انه عكس بمفرده اكثر من ثلاثة عقود من الافتراضات الامريكية الخاطئة حول الصين، التي افترضت ان فتح الاسواق امامها وتشجيع الشركات الامريكية على الاستثمار فيها ونقل تصنيعها اليها سيؤدي الى دمجها في النظام الدولي القائم على قواعد. وتخلص الى ان هذا لم يحدث. لكن الوثيقة تمضي ابعد في ما يشبه الاتهام الشخصي حين تقول ان النخب في اربع ادارات متعاقبة من الحزبين كانت اما شريكا متواطئا في استراتيجية الصين واما تعيش في حالة انكار. والواقع ان صانعي السياسات في تلك المرحلة كانوا مضطرين على الاقل الى محاولة العمل مع الصين والنظر الى صعودها بتفاؤل حذر والسعي الى ادماجها في عالم مزدهر ومنظم. وقد تبين لاحقا ان تلك المحاولة اتسمت بنصيب كبير من السذاجة، غير ان التجربة كانت في نظرهم ضرورية. المشكلة ان الصين لم تبادل تلك النيات الحسنة بالمثل، وهو ما دفع الولايات المتحدة الى استخلاص دروس قاسية.
اما ما سيقلق بكين اكثر فهو الاعلان الواضح عن ما يشبه نسخة جديدة من مبدأ مونرو مقرونا بدعوة صريحة لانكفاء الصين عن امريكا اللاتينية. اذ تؤكد الوثيقة ان على الولايات المتحدة ان تبقى الطرف المهيمن في نصف الكرة الغربي شرطا لامنها وازدهارها، وان شروط تحالفاتها وشروط تقديم اي شكل من اشكال المساعدة يجب ان ترتبط بتقليص نفوذ القوى الخصمة من السيطرة على القواعد العسكرية والموانئ والبنى التحتية الحيوية الى شراء الاصول الاستراتيجية بمفهومها الواسع.
نداء استيقاظ لاوروبا
تتعامل الاستراتيجية مع اوروبا بنبرة ساخرة ومستهينة بشكل شبه علني. فلا تكاد تحتوي على ما يطمئن الحلفاء الاوروبيين، كما ان لهجتها ومضمونها يقتربان كثيرا من خطاب نائب الرئيس فانس في مؤتمر ميونيخ للامن في وقت سابق من هذا العام. ومن الطبيعي ان تشعر العواصم الاوروبية بقدر كبير من القلق ازاء ما تقرأه في هذه الوثيقة. وهناك مقاطع متوقعة ومنطقية في حدها الادنى، مثل القول ان زمن الولايات المتحدة التي تحمل على كتفيها النظام العالمي برمته قد انتهى، وان لدى واشنطن بين حلفائها وشركائها عددا كبيرا من الدول الغنية والمتقدمة التي يجب ان تتحمل المسؤولية الرئيسة عن مناطقها وان تسهم بشكل اكبر في الدفاع الجماعي. هذا الموقف ليس جديدا بالكامل، اذ دعت واشنطن اوروبا مرارا الى تحمل نصيب اكبر من الاعباء في حلف الناتو. الجديد هنا ان الوثيقة تغلق باب التشجيع اللين وتنتقل الى ما يشبه الحزم الصارم.
الا ان ما يبعث على القلق اكثر هو توبيخ اوروبا على ما تعتبره الاستراتيجية تراجعا ثقافيا. والمفارقة ان الوثيقة ذاتها تؤكد في مواضع اخرى انها لن تنتقد الملوك ولن تتدخل في الشؤون السيادية للدول. وفوق ذلك تنضح الفقرة المعنية بنبرة قوية من العداء للمهاجرين. فهي تحذر من احتمال محو حضاري حقيقي، وتحمّل المسؤولية لما تسميه ممارسات الاتحاد الاوروبي والهيئات العابرة للحدود التي تقوض الحرية السياسية والسيادة، وسياسات الهجرة التي تعيد تشكيل القارة وتولد التوترات، والقيود على حرية التعبير، وقمع المعارضة السياسية، وتراجع معدلات الولادة، وفقدان الهويات الوطنية والثقة بالذات. مثل هذا التشخيص يجب ان يثير القلق حتى لدى اشد مؤيدي ترامب حماسة. فهو لا يسيء قراءة واقع اوروبا فحسب، بل يتبنى بصورة شبه كاملة خطاب الاحزاب اليمينية المتطرفة. وتشير الوثيقة كذلك الى ان جزءا من اسباب التوتر مع روسيا يعود الى نقص ثقة اوروبا بنفسها، وهي فكرة ستكون موسيقى في اذن بوتين وسببا اضافيا لاستفزاز بروكسل. وتضيف الاستراتيجية ان علاقات اوروبا مع روسيا اصبحت ضعيفة للغاية نتيجة حربها في اوكرانيا، وان كثيرين من الاوروبيين يرون في روسيا تهديدا وجوديا. والحقيقة انها بالفعل تهديد وجودي، يكفي التطلع الى استراتيجية روسيا المتزايدة عدوانية في شن حروب هجينة عبر القارة.
خاتمة
تأتي لهجة الاستراتيجية في مواضع كثيرة مثيرة للقلق ومبالغا فيها. ففي احد المقاطع تتأرجح بين الخفة والتهويل وهي تتحدث عن ان منع الصراعات الاقليمية من التفاقم والتحول الى حروب عالمية تجر القارات الى الفوضى يستحق اهتمام القائد العام، وانه اولوية لهذه الادارة، وعن ان عالما يشتعل وتصل حروبه الى الشواطئ الامريكية يضر بالمصالح الامريكية، وان الرئيس ترامب يستخدم الدبلوماسية غير التقليدية والقوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي ليطفئ شرارات الانقسام بين الدول النووية والحروب العنيفة المتجذرة في احقاد عمرها قرون. غير ان الاستعارة الخاصة باطفاء شرارات الانقسام بصورة جراحية تبدو غامضة في حدها الادنى. ومع ذلك لا خلاف على ان السلام افضل بكثير من الحرب، وان الحرب جحيم فعلي، وان العالم يزدهر عندما يكون في حالة سلم ويتعاون على مواجهة التحديات العالمية. وقد اثبت النصف قرن الماضي ان الوجود الامريكي القوي خدم اهداف السلام والازدهار، كما ان ترامب نفسه دفع في اتجاه السلام بنشاط واندفاع، ولكن هذه الجهود لا يمكن ان تكون حملة عابرة تنتهي بعد جولة واحدة.
من المجدي تحمل كلفة معقولة على المدى القصير من اجل مكاسب طويلة الاجل في اطار سلام امريكي مستقر. فهذه الكلفة هي في حقيقتها استثمار في الامن، والتجارة المنفتحة، والديمقراطية، وبناء التحالفات. والاخطر ان فقدان البوصلة في ما يخص هذه الركائز التي يستند اليها السلام العالمي لن يجعل امريكا اولا، بل سيجعلها اكثر ضعفا.


