ما الذي تعنيه استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 لآسيا
ثورة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" في السياسة الخارجية الأمريكية تحمل أخباراً جيدة وأخرى سيئة.
بقلم سي. راجا موهان، كاتب عمود في «فورين بوليسي» وعضو سابق في مجلس الأمن القومي الاستشاري في الهند.
في واشنطن، تأتي كل إدارة جديدة بتحالفها الأيديولوجي الخاص، وتنتج — بحكم العادة — وثيقة تصوغ أفكارها حول سياسة الأمن القومي الأميركي. النسخة الأحدث من استراتيجية الأمن القومي (NSS)، التي أصدرتها إدارة ترامب الأسبوع الماضي، تقع تماما داخل هذا التقليد. لكن الأهم هو وجه خروجها عن المألوف: فإذا كانت وثائق الاستراتيجية السابقة تعكس اختلافات طفيفة داخل إجماع عريض تشكل بعد الحرب العالمية الثانية وتعزز بعد الحرب الباردة، فإن هذه الوثيقة تمثل قطيعة دراماتيكية مع ذلك الإجماع.
ليس واضحا ما إذا كانت الوثيقة دليلا موثوقا على أفعال الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستقبلا. لكنها بلا شك محطة مهمة في تطور النقاش الداخلي حول علاقة الولايات المتحدة بالعالم — محطة تلتقط رؤية حركة «ماغا» للعالم وتعكس تبدل المزاج الأميركي. بالنسبة لآسيا، تمنح الوثيقة نافذة كاشفة على كيفية فهم إدارة ترامب الثانية لمنطقة الإندو-باسيفيك (منطقة المحيطين الهندي والهادئ)، وكيف تتعامل مع التحالفات الأميركية، وكيف تقيم الصين، وكيف تتصور القيادة الأميركية في زمن التنافس الجيوسياسي.
أولا، تعكس استراتيجية الأمن القومي بوضوح المشاعر المألوفة اليوم لقومية «ماغا»: مزيج من ضبط النفس، والقومية، ورفض النظرة الدولية التي تحمل رسالات كونية. وتدعو الوثيقة إلى استراتيجية «لا ترتكز على أيديولوجيا سياسية تقليدية». بل إنها — كما تقول — تتحرك قبل كل شيء وفق ما ينجح لصالح أميركا — أو بكلمتين أميركا أولا.
تريد الاستراتيجية الابتعاد عن طموحات الهيمنة الأميركية الواسعة، والاتجاه إلى تعريف أضيق للمصلحة الوطنية، قائم على تجديد الداخل. وبالنسبة لعواصم أجنبية ضاقت طويلا بخطابة واشنطن الوعظية، يبدو هذا التحول إعادةَ ضبط أيديولوجية مرحبا بها.
لكن بالنسبة لآسيا، تحمل استراتيجية الأمن القومي أخبارا جيدة وأخرى سيئة.
العنصر الإيجابي الأول أن الوثيقة تضع آسيا — أو الإندو-باسيفيك وفق المصطلح الاستراتيجي الرائج — في قمة أولويات السياسة الخارجية الأميركية خارج نصف الكرة الغربي، الذي يظل جوهر استراتيجية ترامب. التركيز على آسيا يمثل استمرارية مع التحول نحو آسيا في إدارة أوباما، ومع فكرة الإندو-باسيفيك حرة ومفتوحة في إدارة ترامب الأولى، ومع استراتيجية الإندو-باسيفيك لدى إدارة بايدن. صعود الصين والحيوية الاقتصادية المستمرة في المنطقة يجعلان ذلك شبه حتمي. ولا يقل أهمية تأكيد متجدد بأن الولايات المتحدة ستعارض هيمنة قوة واحدة على آسيا. هذا موضوع قديم في الاستراتيجية الكبرى الأميركية، وإعادة طرحه في وثيقة استراتيجية الأمن القومي ستلقى ترحيبا في عواصم آسيوية قلقة من اتساع نفوذ الصين.
ثانيا، تجنب استراتيجية ترامب آسيا موجة النقد القاسي على نحو صادم التي تصبها على أوروبا. فالوثيقة تؤنب أوروبا على الانحطاط والاتكالية والإفراط الليبرالي، لكنها تتعامل مع آسيا بما يبدو احتراما استراتيجيا. تتحدث عن تدخل محدود وانتقائي في الإندو-باسيفيك والشرق الأوسط، مقابل وعد بنشاط عضلي في أوروبا لإنقاذ الحضارة الغربية من التراجع. وليس هذا لأن ترامب يحب آسيا أكثر من أوروبا. بل لأن معركة «ماغا» الأيديولوجية هي في جوهرها حرب أهلية داخل الغرب حول القيم السياسية ومستقبل الليبرالية. أما آسيا في الوقت الراهن فهي خارج هذا الشقاق.
ثالثا، آسيا أقل عرضة للانتقاد الأميركي لفكرة الحوكمة فوق الوطنية. فالقوى البيروقراطية والتنظيمية للاتحاد الأوروبي تستفز «ماغا»، بينما تبدو آسيا — بعجزها المؤسسي الإقليمي — أكثر انسجاما مع رؤية ترامبية تتمحور حول السيادة الوطنية والتعاون الصفقاتي. التركيز الليبرالي الدولي على حقوق الإنسان والمعايير الاجتماعية لطالما كان ثقيلا على معظم الحكومات الآسيوية، لا في الصين وحدها بل أيضا في مجتمعات ديمقراطية شديدة النزعة القومية عبر المنطقة. بالنسبة لهؤلاء تبدو أيديولوجيا أميركا أولا منطقية إلى حد كبير، بإصرارها على السيادة الوطنية وتصورها العالم بوصفه مجتمعا من دول مستقلة.
رابعا، بعض الحكومات الآسيوية — وعلى رأسها بكين — تشككت طويلا في خطاب ما بعد الحرب الباردة عن النظام الدولي القائم على القواعد. العبارة كانت مطمئنة في العواصم الغربية، لكنها بدت قسرية أو منافقة في أجزاء من آسيا، لا سيما لأن واشنطن لم تلتزم دائما بالقواعد التي بشرت بها. تشديد ترامب على البراغماتية والمصالح — دبلوماسية بوصفها كوميرتسبوليتيك (kommerzpolitik) ، أي سياسة تُدار بمنطق التجارة — يجد صدى واسعا. الحكومات الآسيوية، المتوجسة من الخطاب الليبرالي حول المعايير، مرتاحة لاسلوب الصفقات. كان لافتا تنافس دول آسيوية على عقد صفقات مع ترامب خلال جولته الإقليمية في خريف العام الماضي: فالولايات المتحدة الصفقية أسهل فهما، وأيسر تعاملا، وأوضح مجالا للمساومة.
خامسا، ترحب دول آسيوية كثيرة باعتراف ترامب بالصين منافسا قريب الندية، وبندائه إلى علاقة اقتصادية ذات منفعة متبادلة مع بكين. جزء كبير من آسيا استفاد استفادة هائلة من التفاهم الصيني-الأميركي منذ الثمانينيات، وهو قلق بعمق من احتمال حرب باردة جديدة. والمزاج العام الذي يرفض الاضطرار للاختيار بين واشنطن وبكين يجد بعض الطمأنينة في استعداد ترامب الظاهر لإعادة التعامل مع الصين بوصفها طرفا قريب الندية. بالنسبة لدول غير حليفة مثل الهند، يخلق نداء ترامب إلى أن تتحمل الدول الكبرى مسؤولية إقليمية أكبر منافذ لرفع حضورها الاستراتيجي.
لكن هذه الأخبار الجيدة تقابلها عناصر مقلقة في الوثيقة وفي ديناميات التشغيل الفعلية لسياسة ترامب الخارجية. فالمنطقة ترى فرصة وغموضا ومخاطر بدرجات متساوية.
أولا، رغم أن تركيز ترامب على السيادة وعدم التدخل محل ترحيب، تدرك آسيا بحدة الإغراء البنيوي المتكرر في واشنطن للتدخل في شؤون الآخرين. هذا لا يصدر عن مبدأ بقدر ما يصدر عن قوة. القوى الكبرى تتدخل لأنها تستطيع — ولأن قواعد سياسية داخلية غالبا ما تطالب بذلك. تهديدات ترامب لجنوب أفريقيا ونيجيريا تذكر بالدافع الأميركي المستمر إلى العقاب والإكراه. تصريحات ضبط النفس لن تمحو ذلك الدافع.
ثانيا، رغم أن الكوميرتسبوليتيك تلقى قبولا في آسيا، يدفع ترامب بما يتجاوز الصفقات العادية. فمطالبه لليابان وكوريا الجنوبية باستثمارات جديدة ضخمة جاءت بشروط لا يمكن فهمها إلا بوصفها ابتزازا. وبالقدر نفسه من الإزعاج كانت الشروط التي فرضها على اتفاقات التجارة مع ماليزيا وكمبوديا خلال قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا الأخيرة. هذه الترتيبات لا علاقة لها باحترام السيادة، إنها تعكس اختلال ميزان القوة والضغط. قد ترحب دول آسيا بالصفقية، لكنها تستاء من مركنتيلية إكراهية.
ثالثا، تخلي واشنطن عن النظام القائم على القواعد قد يسر الواقعيين في وزارات خارجية الآسيوية، لكنه يحمل أيضا كلفة. فإذا رفضت الولايات المتحدة الدفاع عن السلامة الإقليمية للدول، فستقع الدول الضعيفة في آسيا تحت رحمة الأقوياء. ضغط الولايات المتحدة على أوكرانيا للتنازل عن أراض لروسيا ضمن تسوية سلام يثير قلقا فوريا حول استعداد واشنطن لمواجهة التوسع الصيني. الدول الآسيوية الأصغر تريد قواعد عامة يمكن توقعها — لا لأنها مثالية ليبرالية، بل لأن القواعد تحمي الضعيف من القوي. وفي الوقت نفسه، سيخيب تراجع الولايات المتحدة عن القيم الليبرالية آمال جماعات معارضة وحركات مجتمع مدني طالما عولت على دعم أميركي عند تعرضها للقمع.
رابعا، تشديد ترامب على الانخراط الاقتصادي مع الصين يخلق قلقا حول احتمال المقايضة بين المصالح التجارية والالتزامات الأمنية. تؤكد الوثيقة ضرورة ردع عدوان الصين في غرب المحيط الهادئ، لكن التوتر بين الاعتماد الاقتصادي المتبادل والتنافس العسكري حقيقي ومتزايد. وستصبح المحافظة على التفوق العسكري الأميركي أصعب مع نمو قوة الصين. وستزداد قدرة بكين على دق أسافين بين واشنطن وشركائها الآسيويين. وقد تدفع مطالبة ترامب الحلفاء بزيادة الإنفاق الدفاعي بعضهم نحو حلول قصوى — بما في ذلك إعادة طرح الخيارات النووية. وتتضخم مخاوف المنطقة بفعل الانطباع بأن الصين تُحول ميزان القوة العسكرية تدريجيا لصالحها.
خامسا، النقاش المحتدم حول لغة الوثيقة بشأن تايوان يسلط الضوء على خط الصدع الجيوسياسي المركزي في آسيا. لكن الجدالات الدلالية لا تقدم إلا قليلا من الإرشاد حول سلوك ترامب أو أي رئيس أميركي آخر في أزمة فعلية. كثيرٌ سيتوقف على الوضع الإقليمي وعلى السياسة الداخلية الأميركية في تلك اللحظة. ودفع واشنطن باتجاه معاكس لرئيسة الوزراء اليابانية سانايي تاكاييتشي بعد تصريحاتها التي ربطت هجوما صينيا على تايوان بأمن اليابان يُعد إشارة تحذير. فحتى بينما يطالب ترامب الحلفاء الآسيويين بالمزيد، يقدم قدرا أقل من الوضوح بشأن ما ستقدمه الولايات المتحدة في المقابل. الغموض الاستراتيجي السابق لا يتحول إلى التزامات، بل إلى عدم يقين.
في المحصلة، قد يكون لدى آسيا — خلافا لأوروبا — وقت ومساحة أكبر للتكيف مع التغيرات في الاستراتيجية الأميركية. لكن تحدياتها أثقل بكثير. فبخلاف روسيا، التي تبقى قدراتها الصلبة محدودة نسبيا مقارنة بأوروبا، تقف الصين شامخة فوق آسيا. وسيعتمد أمن المنطقة إلى حد كبير على كيفية إدارة واشنطن لعلاقتها المعقدة مع بكين — علاقة تجمع بين التنافس الجيوسياسي والاعتماد الاقتصادي المتبادل. والتردد في سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين قد يطلق آثارا متسلسلة عبر الإندو-باسيفيك.
على آسيا أن تتكيف مع هذا الواقع الجديد، فهي لا تملك الكثير للتأثير في مسار السياسة الداخلية الأميركية أو في التطور الاستراتيجي للترامبية. قد يأمل الأوروبيون بعودة الليبرالية الدولية واستعادة الأطلسية. آسيا لا تملك هذا الترف. ومع تضخم ظل الصين وإعادة تعريف الولايات المتحدة لوجهتها الدولية، على آسيا أن تتبنى استراتيجية الاعتماد على الذات — تعزيز القدرات الوطنية، وتوسيع الشراكات خارج الولايات المتحدة، وبناء تحالفات مرنة. وفي الوقت نفسه، تقترح الوثيقة شبكة لتقاسم الأعباء بدعم من واشنطن: ستكون الولايات المتحدة على استعداد للمساعدة — ربما عبر معاملة تجارية أكثر تفضيلا، وتقاسم التكنولوجيا، ومشتريات الدفاع — لتلك الدول التي تتطوع لتحمل مزيد من المسؤولية عن أمن مناطقها. وعلى آسيا أن تقتنص الإمكانات التي يتيحها هذا العرض.


