إيران وإعادة تعريف الردع فوق أنقاض الحرب
لن يكون بقاء النظام الإيراني بعد الحرب انتصاراً يُحتفى به أو هزيمة تُرثى، بل هو بالأحرى لحظة انعطاف في وعيه الذاتي. فقد تبيّن لطهران، على نحو لا لبس فيه، مدى هشاشة حصونها أمام العاصفة الأميركية – الإسرائيلية، الأمر الذي يفرض عليها مراجعة عميقة لمفاهيم القوة والردع التي طالما اعتبرتها ضمانة لبقائها.
والجدير بالتوقف عنده هنا ليس فقط ما استخلصه النظام من هذه التجربة القاسية، بل أيضاً الكيفية التي سيعيد بها بناء مفهوم الردع بعد حرب لم تكتفِ بمحاولة إنهاكه، بل سعت إلى إسقاطه بضربة قاضية.
انهار النموذج الذي اعتمدته إيران طويلاً في إدارة المخاطر، إذ كشفت الحرب عن هشاشة الردع التقليدي القائم على الصواريخ وشبكة الوكلاء الإقليميين. فهذه الأدوات لم تفلح في ردع الخصوم، ولم تمنع الضربات التي تجاوزت الخطوط الحمراء الإيرانية، وصولاً إلى اغتيال المرشد نفسه. أما العتبة النووية التي اعتُبرت في وقت ما ضمانة أكيدة، فقد فقدت فعاليتها، فيما تحول الصبر الاستراتيجي من رصيد يُعتد به إلى عبء ثقيل. هكذا تبدو الدروس جلية: الردع، في صورته السابقة، يحتاج إلى إعادة تعريف جذرية.
الأرجح أن النقاش الإيراني بعد الحرب لن يتوقف عند حدود سؤال القدرة، بل سيتعداه إلى سؤال الضرورة: أي قدرة تضمن البقاء وتمنع الضربة التالية؟ لقد غدا البرنامج النووي مسألة وجودية لا تحتمل التأجيل. فما كان يُنظر إليه بالأمس كمخاطرة صار اليوم ضرورة، وما كان يُحسب فائضاً في القوة أضحى الحد الأدنى المطلوب للبقاء.
غير أن بناء ترسانة نووية شاملة لا يبدو خياراً واقعياً لإيران، نظراً لتكاليفه الباهظة، وتعقيداته التقنية، والأعباء السياسية التي يصعب احتمالها.
هكذا يغدو الخيار الأكثر واقعية أمام طهران هو السعي إلى ردع نووي إقليمي محدود: قدرة صغيرة لكنها واضحة، على غرار سلاح نووي تكتيكي، تكفي لإثارة الشكوك والهواجس في حسابات الخصوم.
فالردع المحدود يمنح طهران سبيلاً لمعالجة ضعف الغموض الذي يكتنف سياساتها الإقليمية، ويجعل الردع حضوراً مباشراً لا مجرد فرضية نظرية.
في ضوء ذلك، ليس مستبعداً أن تعمد القيادة الإيرانية إلى إحياء مشروع آماد الذي أوقف في 2003، إذ لا تحتاج طهران إلى البدء من الصفر. فهي تملك، أولاً، رأس مال بشرياً من الكوادر التقنية والخبراء الذين راكموا خبرة طويلة عبر السنوات. وثانياً، ذاكرة تنظيمية تتجلى في عادات التقسيم وإدارة السرية والالتفاف على المشتريات والتنسيق البيروقراطي، وهي عادات تطورت في ظل الإخفاء والضغط المستمر. وثالثاً، إرثاً تقنياً لا يقتصر على المعرفة التصميمية المؤرشفة، بل يشمل أيضاً الإلمام بتسلسل المشكلات العملية التي ينبغي حلها إذا أريد للجهد التسليحي أن ينتقل من النظرية إلى قدرة قابلة للتطبيق. تكتسب هذه الأشكال من الاستمرارية أهميتها لأنها غالباً ما تنجو من الاضطراب المؤسسي أكثر من المباني أو الهياكل التنظيمية المعلنة.
غير أن مسار الردع النووي المحدود لإيران يحمل في طياته تكلفة إقليمية باهظة. فالخليج لن يشهد مجرد تعديل تقني، بل تحولاً استراتيجياً عميقاً، فيما قد تدفع السعودية إلى تعزيز جاهزيتها النووية والأمنية، الأمر الذي يفاقم القلق والتسلح ويجعل احتواء المنطقة أكثر صعوبة.
بهذا تدخل المنطقة مرحلة جديدة من عدم اليقين، حيث تعيد كل دولة تعريف أمنها وحدودها بناءً على معطيات متغيرة. أما إسرائيل، فستعتبر الردع النووي الإيراني المحدود تهديداً استراتيجياً يغير قواعد اللعبة، لأن القدرة المحددة أصعب في الاستباق والمواجهة من العتبة الغامضة التي اعتمدت عليها سابقاً.
وأخطر ما في مسار الردع المتبادل أنه ينشأ في مناخ من الخوف والتصعيد، ما يخلق بيئة متوترة تتداخل فيها خطوط الردع والاستفزاز، ويغدو التحكم في التصعيد أمراً بالغ الصعوبة.
الدرس الأكبر الذي يمكن استخلاصه بعد إنتهاء الحرب أن الردع التقليدي لم يعد كافياً، وأن إيران لن تعود إلى ما قبل الحرب حتى لو توقفت النيران. فالمنطقة بأسرها تدخل مرحلة جديدة من الغموض والمخاطرة، حيث تغدو معادلات القوة مفتوحة على المجهول وتصبح الحسابات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

