6 يوليو 2026
يسعى الحلفاء الأوروبيون وكندا إلى تهدئة التوترات المتكررة مع الرئيس دونالد ترامب عبر تحمل دور أكبر في تحالف أعيد توازنه تحت مسمى الناتو 3.0 غير أن الوحدة عبر الأطلسي ما تزال هشة.
مسرح مهيب
يشكل قصر الرئيس رجب طيب أردوغان، المبني على الطراز العثماني الجديد ويضم ألف غرفة ومسجداً وسجاداً فيروزياً يرمز إلى القوة البحرية التركية، مسرحاً مهيباً لقمة الناتو في 7 و8 يوليو.
يأمل مسؤولو الناتو في تحويل القمة إلى استعراض للوحدة بعد عام شهد تهديدات دونالد ترامب بشأن غرينلاند، وانتقاده الأوروبيين لضعف دعمهم في إيران، وتقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا.
يهدف الحلفاء إلى تكرار نجاح قمة لاهاي العام الماضي حيث اتفق قادة الناتو على تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي. ساهم هذا التعهد في تهدئة الرئيس ترامب وأرسل رسالة ردع واضحة إلى الرئيس بوتين.
من المفترض أن تركز قمة أنقرة على وضع مسار واضح لزيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع الإنتاج العسكري، وضمان دعم مستدام لأوكرانيا.
قال الأمين العام للحلف مارك روته: «سنبعث الحياة في مفهوم الناتو 3.0: أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى».
ييستند تفاؤل روته الحذر إلى ثلاثة أسباب: استثمار الأوروبيين مبالغ قياسية في الدفاع، سد معظم الثغرات التي خلفتها الولايات المتحدة في خطط الناتو الدفاعية، واتفاق الحلفاء الـ32 مسبقاً على نص إعلان القمة.
تريليون ترامب
من المعروف أن الرئيس ترامب يحب الأرقام الضخمة والجميلة.
في عام 2019، نجح الأمين العام للناتو آنذاك ينس ستولتنبرغ في إقناعه بالكف عن انتقاد الحلف، بعدما أعلن على قناة فوكس نيوز أن الحلفاء الأوروبيين وكندا استثمروا مئة مليار دولار إضافية في الدفاع. وفي الشهر الماضي، عرض مارك روته داخل المكتب البيضاوي رسوماً بيانية تظهر إنفاقاً دفاعياً إضافياً تجاوز 1.2 تريليون دولار منذ ولاية ترامب الأولى، بما في ذلك زيادة بنسبة 20% خلال عام 2025. وحمل أحد الرسوم عنواناً مكتوباً بأحرف ذهبية كبيرة: تريليون ترامب.
وفي كلمة ألقاها في واشنطن، شدد الأمين العام على أن عدداً من الدول، من بينها إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، ينفق بالفعل مبالغ تفوق بكثير المستويات المتفق عليها، فيما تحقق دول أخرى تقدماً ملحوظاً. ومع ذلك، يبقى تحويل هذه الاستثمارات إلى قدرات عسكرية بالحجم والسرعة المطلوبين أمراً صعباً بسبب تجزؤ الأسواق، التعقيدات البيروقراطية، والنزعات الحمائية. يهدف منتدى الصناعات الدفاعية التابع لقمة الناتو، والمنعقد ضمن قمة أنقرة، إلى توفير منصة للصناعات الدفاعية عبر الأطلسي من أنقرة إلى أرلينغتون. وسيشارك فيه أيضاً ممثلون عن أوكرانيا والاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية وشركاء آخرين للناتو. أعلن روته في واشنطن عن توقيع عقود جديدة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات خلال القمة. من المتوقع أن تعزز هذه العقود الإنتاج المشترك عبر الأطلسي، تسريع الابتكار، والتركيز على أولويات الناتو مثل الفضاء والمراقبة والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل وقدرات الضرب الدقيق في العمق.
سد الثغرات
تزداد الحاجة إلى تسريع هذه العملية بسبب التهديد الروسي وكذلك إبلاغ البنتاغون الحلفاء في مايو بأنه سيقلص حزمة القدرات المخصصة لتنفيذ خطط الناتو الدفاعية في حالات الأزمات أو النزاعات ضمن ما يُعرف بـ”نموذج قوات الناتو”.
يهدف التحرك الأميركي إلى ضمان قدرة الولايات المتحدة على خوض نزاعات متزامنة في مسارح عمليات مختلفة. كما يرمي إلى تقليص اعتماد أوروبا غير الصحي الممتد منذ عقود على القوة العسكرية الأميركية ودفعها إلى تولي زمام الدفاع التقليدي عن نفسها. المعلومات المتعلقة بخطط الانتشار الأميركية سرية، لكن التقارير تشير إلى أن التقليص سيشمل ثلث مقاتلات إف-15، ونصف الطائرات المسيرة المسلحة، إضافة إلى حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية.
الخبر الإيجابي قبيل القمة أن الأوروبيين اتخذوا خطوات لسد النقص. قال القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، الجنرال أليكسوس غرينكويتش لوكالة رويترز: في غضون أسابيع، نجح الحلفاء الأوروبيون إلى حد كبير في سد الثغرات التي خلفتها التخفيضات الأميركية في نموذج قوات الناتو. وأضاف: وفي المجالات القليلة التي لم يتمكنوا فيها من ذلك، والتي لا تتوافر لديهم حالياً قدرة مماثلة يمكن أن تحل محل القدرة الأميركية، ندرس قدرات بديلة تحقق أثراً عملياتياً مماثلاً. تتمثل الثغرة الرئيسية في القاذفات الاستراتيجية، التي لا يمتلكها الأوروبيون أصلاً، ولا يمكنهم استبدالها بقدرات مماثلة. يعتمد الأوروبيون على قدرات الضربات العميقة الدقيقة رغم محدودية أعدادها وعدم كفاية مداها. رغم أن المشكلة تبدو محلولة نظرياً، إلا أن معالجتها عملياً أكثر تعقيداً.
إعلان مقتضب
السبب الثالث الذي يدعو إلى التفاؤل الحذر هو أن سفراء الناتو وافقوا مسبقاً على نص إعلان قمة أنقرة وهو نص قصير وحاسم يشبه الإعلان الذي اعتُمد العام الماضي في لاهاي.
يجدد الإعلان التأكيد على التزامنا الذي لا يتزعزع بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من المعاهدة المؤسسة للناتو، ويشير إلى أن الحلفاء الأوروبيين وكندا ينفذون التعهدات التي قُطعت في لاهاي. جاء في النص: نحن نبني المستقبل: أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى. ويتولى الحلفاء الأوروبيون وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، مسؤولية أكبر عن الدفاع عن الحلف.
يصف الإعلان روسيا بأنها تهديد طويل الأمد لأمن المنطقة الأوروبية الأطلسية واستقرارها. من المنتظر أيضاً أن يتعهد حلفاء الناتو بتقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو لعام 2026 وبمستويات معادلة على الأقل خلال عام 2027. ووفقاً لدبلوماسيين، يشمل هذا المبلغ 30 مليار يورو من قرض قيمته 90 مليار يورو مخصص لأوكرانيا إضافة إلى 40 مليار يورو من الدعم الثنائي. يعادل ذلك تقريباً مستوى المساعدات التي يقدمها الأوروبيون حالياً لكن من دون أي تمويل أميركي مباشر.
ينص الإعلان أخيراً على أن الحلفاء يجددون التأكيد على أنه يجب ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً أبداً، ويدعونها إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز. رغم نشر بعض دول الناتو سفن كاسحات ألغام وقدرات عسكرية أخرى في المنطقة لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت قمة أنقرة ستتخذ قراراً ملموساً لدعم إعادة فتح المضيق.
الأمزجة
يشير التوافق المبكر بين الحلفاء الـ32 على إعلان القمة إلى أن الرئيس ترامب لن يتنصل منه بنزوة كما سبق له في إعلان مجموعة السبع عام 2018. يأمل المسؤولون أن تسود الروح البناءة التي ظهرت في اجتماع مجموعة السبع هذا العام في إيفيان خاصة فيما يتعلق بدعم أوكرانيا خلال قمة أنقرة. مع ذلك، يدركون أن الكثير يعتمد على مزاج ترامب يوم القمة.
ففي الوقت الذي اعتُمد فيه الإعلان تقريباً داخل مقر الناتو في بروكسل شن ترامب هجوماً عبر منصة تروث سوشيال وكرر ادعاءاته بأن حلفاء الناتو «لم يكونوا إلى جانبنا!!!» وأن علاقة واشنطن بالحلف لا تقوم على المعاملة بالمثل وأنه من السخف أن تواصل الولايات المتحدة السير في هذا المسار الأحادي.
وزعم كذلك أن إنفاق ألمانيا خلال الفترة بين 2014 و2025 كان أقل بكثير من الإنفاق الأميركي أو إنفاق حلفاء آخرين في الناتو. أبرز المستشار الألماني فريدريش ميرتس حجم الإنفاق الدفاعي لبلاده خلال اجتماع مع قادة دول البلطيق رداً على ذلك. وقال ميرتس إن ألمانيا ضاعفت ميزانيتها الدفاعية خلال أربع سنوات مضيفاً: «ليس لدينا سبب يدعونا إلى التواري أمام أحد. وفي اتصال لاحق مع ترامب لتهنئته بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة شدد ميرتس على أن ألمانيا تتحمل مسؤولية أكبر عن الأمن في المنطقة الأوروبية الأطلسية. رغم خطط الناتو المحكمة قد تمنح القمة لترامب منصة لتوبيخ قادة آخرين ولا سيما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ورئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته السير كير ستارمر الذين انتقدهم مؤخراً.
يعتمد الكثير على قدرة مارك روته على نزع فتيل هذه التوترات إضافة إلى علاقات ترامب الجيدة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. قال ترامب إنه سيشارك في القمة احتراماً للرئيس أردوغان الذي وصفه بأنه “قائد هائل بحق”. كما أنه لا يرغب في إحراج أردوغان على أرضه بإحداث فوضى خلال القمة.
حتى إذا سارت الأمور جيداً في أنقرة قد لا يجتمع قادة الناتو مجدداً في المستقبل القريب. إعلان القمة لا يتضمن أي إشارة إلى خطط عقد القمة المقبلة في ألبانيا عام 2027 رغم الاتفاق على ذلك في لاهاي. يعود أحد الأسباب إلى أن ألبانيا لم تبلغ في العام الماضي الحد الأدنى البالغ 2 % من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي. أما السبب الرئيسي فهو أن معظم الأطراف في الناتو تسعى حالياً لتجنب الدراما السنوية التي تضعف مهمة الحلف الأساسية في الردع والدفاع.

