عندما يتحدى المهيمن الأميركي النظام الليبرالي: الولايات المتحدة كقوة تحريفية
الملخص
يخلط جانب معتبر من النقاش الجاري في حقل العلاقات الدولية بين النظام الدولي وبين توزيع القوة بين الدول. كما أن كثيراً من الدراسات لا يوضح مفهوم النظام الدولي توضيحاً كافياً، ولا يقدم تحليلاً تجريبياً منهجياً يقارن سلوك الدول إزاء هذا النظام. وبدلاً من ذلك، تميل الأدبيات السائدة إلى إسناد صفتي التحريفية والمحافظة على الوضع القائم إلى هذا الطرف أو ذاك عبر تقرير خطابي أو حسم تعريفي جاهز. على سبيل المثال، تقول نظرية انتقال القوة أن الدول الصاعدة تكون في العادة قوى تحريفية، فيما تظل الدول الراسخة منحازة إلى الوضع القائم.
تدفع هذه المقالة في اتجاه مغاير. فهي تجادل بأن الدولة المهيمنة، أو الدولة المستقرة في قمة التراتب الدولي، قد تكون هي نفسها قوة تحريفية. فهذه الدولة ليست ملزمة على الدوام بالقواعد والمؤسسات التي أسهمت إسهاماً حاسماً في إنشائها وترسيخها داخل النظام الدولي. وفي المقابل، لا تُدفع الدولة الصاعدة حتماً إلى منازعة النظام الذي أتاح صعودها. وعليه، لا تنحصر التحريفية في القوى الصاعدة، كما أن هذه القوى ليست مقدراً لها بالضرورة أن تتحول إلى خصم للنظام الدولي أو إلى محرك لحرب كبرى، على النحو الذي تصوره الأدبيات المتداولة.
أدافع عن هذه الأطروحات من خلال النظر في السلوك الحديث لكل من الصين والولايات المتحدة. وأذهب إلى أن الصين صارت بمرور الوقت، أقل تحريفية، حتى مع ازدياد قدرتها. أما الولايات المتحدة فقد غدت أكثر تحريفية، ولا سيما خلال إدارة ترامب. ومن ثم فإن الدفع الأكبر الذي زعزع النظام الدولي الليبرالي لم يصدر عن الصين بقدر ما صدر من أطراف غربية.
…………………………………. ……………………………………………. …………………………………….
ازدادت العلاقات الصينية–الأميركية توترًا على نحو مطرد. وظهرت ملامح هذا التوتر قبل جائحة كوفيد-19، بل حتى قبل النزاع التجاري الذي اندلع بين البلدين عام 2018. وتساءل غراهام أليسون عمّا إذا كانت الولايات المتحدة والصين قادرتين على تفادي «فخ ثيوسيديدس». ووفقًا لثيوسيديدس، فإن صعود أثينا وما أثاره من خوف في إسبرطة جعلا الحرب البيلوبونيسية شبه حتمية. وقبل أليسون، طرح باحثون آخرون تصورات قريبة من هذا المنحى. أما الصياغة التي قدّمها أورغانسكي وجاتشيك كوغلر، فقد استقر حضورها في الأدبيات تحت اسم نظرية انتقال القوة. وتقول هذه النظرية إن خطر الحرب الشاملة على مستوى النظام الدولي يبلغ ذروته حين تبلغ دولة صاعدة تحمل دوافع تحريفية مستوى الندية في القوة مع المهيمن القائم، أو تتجاوزه.
تربط النظرية هذا الخطر بمتغيرين: أولًا، تحوّل في ميزان القوة يضيّق فجوة القدرات بين الدولة الصاعدة والدولة الراسخة؛ وثانيًا، دافع تحريفي أو أجندة تحريفية لدى الدولة الصاعدة. وكلا المتغيرين شرط لازم لوقوع الحرب. غير أن الاهتمام انصرف، في معظم الأحيان، إلى تحليل أثر انتقال القوة في احتمال الحرب، بينما ظل العمل المنهجي الرامي إلى تحديد ما إذا كانت الدولة تحريفية محدودًا إلى حد بعيد. لذلك، فإن جانبًا واسعًا من الأدبيات القائمة لا يتعامل بجدية مع فرضية نظرية انتقال القوة نفسها، أي إن خطر الحرب على مستوى النظام الدولي يتولد من الأثر المشترك لهذين المتغيرين. وبدلًا من ذلك، يكتفي كثير من الباحثين العاملين داخل هذا التقليد النظري بالقول إن التحريفية سمة تكاد تلازم القوى الصاعدة، مع استثناء الولايات المتحدة عندما كانت في طور الصعود، في حين تُعامل القوة المهيمنة على أنها ملتزمة، بحكم موقعها، بالدفاع عن النظام الدولي. وفي تقديري، فإن هذه المعالجة إشكالية في ذاتها، وهي ما يدفعني إلى كتابة هذه المقالة.
في صيغتها الأصلية، تقصر نظرية انتقال القوة فرضيتها بشأن الخطر المتزايد المتمثل في نشوب الحرب الشاملة على العلاقة بين أقوى دولتين تتربعان على قمة الهرم الدولي. ووفقًا لهذا التصور، ينشأ الدافع إلى الحرب من التنافس على من يملك سلطة تقرير قواعد النظام الدولي. وهذا الافتراض يعيدنا بدوره إلى مسألة أيّ الدولتين هي القوة التحريفية الساعية إلى تعديل النظام القائم، أو حتى قلبه. والنظرية، في صورتها الأصلية، لا تتناول، بالمعنى الدقيق، صراعات الدول الأقل قوة. وهذه النقطة وثيقة الصلة بالموضوع، لأن أنصار هذه النظرية يصفون الحربين العالميتين عادة بأنهما تحدٍّ شنّته ألمانيا لإزاحة التفوق العالمي لبريطانيا والنظام الذي أشرفت عليه لندن. غير أن هذه الرواية تتعثر أمام حقيقة لافتة: أن ألمانيا لم تتفوق قط على الولايات المتحدة، مع أن الأخيرة كانت قد أصبحت بالفعل، بحلول أواخر القرن التاسع عشر، أقوى دولة في العالم من حيث الحجم الاقتصادي. بل إن منظّري انتقال القوة أنفسهم يعدّون الناتج المحلي الإجمالي أفضل مؤشر على قوة الدولة. وبعبارة أخرى، فإن صورة الصراع الأنغلو-ألماني من أجل التفوق، كما يقدمها منظّرو انتقال القوة، لا تستقيم إلا إذا استُبعدت الولايات المتحدة من التحليل.
للمفارقة، فإن الحالة الوحيدة منذ عام 1815 التي شهد فيها العالم انتقالًا فعليًا للقوة بين القوتين الرائدتين عالميًا — أي حين حلّت الولايات المتحدة محل بريطانيا بوصفها القوة المهيمنة في العالم — انتهت سلميًا، خلافًا لما تتوقعه نظرية انتقال القوة. ولكي ينقذ أنصار النظرية تماسكها، درجوا على تصوير الولايات المتحدة بوصفها قوة محافظة على الوضع القائم. وهكذا استثنوها من النزعة العامة التي تنسبها النظرية إلى القوى الصاعدة باعتبارها قوى تحريفية. غير أن هذا الاستثناء يعيدنا، مرة أخرى، إلى السؤال نفسه: ما المؤشرات الملائمة والصالحة التي تسمح بالقول إن دولة ما تحريفية؟ وكما سبقت الإشارة، لم يُحسم هذا السؤال في معظم الأدبيات عبر تحليل تجريبي، بل استُعيض عن ذلك بحكم تعريفي جاهز أو تأكيد بلاغي. ومن المؤكد أن العلاقات الأنغلو-أميركية اتسمت بالتوتر في محطات عدة خلال صعود الولايات المتحدة، وأن الحرب اقتربت أكثر من مرة، وجرت الحيلولة دونها بصعوبة في مناسبات عدة. وإذا انتقلنا إلى الحاضر، فإن السؤال الطبيعي يصبح: أيّ الدولتين تبدو أقل رضًا عن النظام الدولي الليبرالي، وأكثر سعيًا إلى تغييره؟
الرضا عن النظام الدولي والسخط عليه
خاضت الصين والولايات المتحدة حربًا في كوريا قبل زمن طويل من أي انتقال محتمل للقوة بينهما. وعلى المنوال نفسه، هاجمت اليابان بيرل هاربر مع أن قادتها كانوا يرون أن الولايات المتحدة تتفوق عليها بثمانية أضعاف أو تسعة. وهذا يعني أن اقتراب انتقال القوة، أو تحققه فعلًا، ليس شرطًا لازمًا ولا كافيًا لاندلاع الحرب بين الدول الكبرى. بل إن الصورة تصبح أوضح إذا وسّعنا النظر في انتقالات القوة إلى ما يتجاوز الدولتين الأقوى فقط، كما في الثنائية الأنغلو-ألمانية التي تتصدر عادة سرديات الحربين العالميتين في أدبيات انتقال القوة. فعندئذ يتبين أن كثيرًا من هذه الانتقالات جرى سلميًا. ففي العقود الأخيرة، تجاوزت الصين بريطانيا وألمانيا واليابان وروسيا، وتجاوزت اليابان بريطانيا وألمانيا وروسيا، ومع ذلك لم تندلع حرب في أعقاب هذه التحولات.
يجادل منظّرو انتقال القوة بأن النظام الدولي، ما دام قد نشأ على يد الدولة المهيمنة، فإن هذه الدولة تحصد النصيب الأكبر من منافعه، ولذلك تملك أقوى دافع إلى الحفاظ عليه. وعلى هذا الأساس، تُعرَّف القوة المهيمنة، بحكم موقعها، بوصفها قوة راضية عن النظام القائم، ومن ثم مدافعة عن الوضع الراهن؛ فهي، في نهاية المطاف، التي أنشأت الهرمية العالمية أو الإقليمية وتحافظ عليها، وتجني منها منافع كبيرة. وفي المقابل، يُفترض أن توزيع المنافع داخل النظام القائم يجحف بحق القوى الصاعدة التي لم يكن لها صوت في تقرير قواعده. ومن هنا تُعامَل هذه القوى باعتبارها غير راضية عن النظام ومندفعة إلى تقويضه. ومع ازدياد قوتها، يُفترض أن تصير قدراتها المتعاظمة تهديدًا أكبر للنظام القائم.
لكن هذا التصور الغالب، حين يفترض أن الدولة الحاكمة للنظام لا يمكن أن تكون ساخطة على النظام الدولي القائم، يستبعد، بحكم التعريف نفسه، أي احتمال لأن تكون هذه الدولة تحريفية. وهو، حين يساوي بين الهيمنة القائمة والنظام الدولي ذاته، يتعامل مع أي صراع ثنائي بين دولة صاعدة ودولة مهيمنة كما لو أنه تحدٍّ يشنّه الطرف الأول على النظام الدولي، وبالتالي على المجتمع الدولي بأسره. وفوق ذلك، يبدّل منطقه حين ينسب التحريفية إلى الدول الصاعدة والدول الحاكمة. فهو يرى أن الدولة المهيمنة ملتزمة بالنظام الدولي لأنها، بحسب هذا المنطق، صاحبة المصلحة الأكبر في صونه. لكنه لا يسأل ما إذا كانت القوة الحاكمة، حين تدخل طور التراجع النسبي، قد تصبح أقل ارتباطًا بالنظام القائم، وبالتالي أقل حافزًا إلى الحفاظ عليه. فقد تغدو أكثر سخطًا، وأكثر ميلًا إلى تعديل النظام الدولي في محاولة لعكس مسار تراجعها. وفي الوقت نفسه، لا يلتفت الخطاب التقليدي إلى احتمال أن القوة الصاعدة، كلما ارتقت في الهرم بين الدول، ازدادت حصتها ومصلحتها في النظام القائم. ولماذا تُقدم على هدم نظام كان هو نفسه ما أتاح لها الصعود؟ صحيح أن الدولة الصاعدة تملك، عندئذ، قدرة أكبر على تحدي هذا النظام، لكن حافزها إلى ذلك يفترض أن يكون أضعف. وعلى العكس من ذلك، تظل الهيمنة المتراجعة هي الطرف الأقدر على مراجعته وتغييره.
ثمة قرابة فكرية واضحة بين تصوير الهيمنة بوصفها حارسًا للنظام الدولي وبين نظرية الاستقرار الهيمني. فهذه النظرية تقول إن العالم يحتاج إلى دولة قوية تملك، في آن، القدرة اللازمة والحافز الكافي لتجاوز مشكلة الركوب المجاني وتوفير المنافع العامة للعالم. ويكون العالم، وفق هذا المنظور، أكثر سلمًا وازدهارًا حين توجد قوة راجحة، فيما تتعرض المنافع العامة للخطر حين تبدأ الهيمنة في التراجع. ويقرّ منظّرو انتقال القوة بأن الهيمنة تسعى إلى منافع خاصة، حتى وهم يصرّون على أنها توفر أيضًا منافع عامة. لكنهم لا ينظرون في احتمال أن تقلّ رغبتها في تحمّل هذا العبء كلما تراجعت. ويفترضون، بدلًا من ذلك، أنها ستظل ثابتة في دعم النظام الدولي حتى وهي تعاني تراجعًا مطلقًا أو نسبيًا. كما يغفلون أن النظام الدولي يمكن أن يستند أيضًا إلى ترتيبات متعددة الأطراف، مثل «حفل أوروبا».
طُلب من الصين مرارًا أن تكون «صاحب مصلحة مسؤولًا»، وأن تزيد مساهمتها في توفير المنافع العامة الدولية. لكن الغرب يبدي، في الوقت نفسه، قدرًا واسعًا من القلق والارتياب إزاء خطوات اتخذتها بكين، مثل امتناعها عن خفض تنافسي لقيمة عملتها خلال الركود الكبير في 2008–2009، أو عرضها تقديم إمدادات طبية إلى الدول المحتاجة خلال الجائحة، إذ تُقابَل هذه التحركات بشك واسع بوصفها مجرد محاولة صينية لشراء النفوذ في الخارج. وكما سأجادل لاحقًا، لا يكفي أن نأخذ سلوك الدولة في عزلة؛ ما نحتاجه هو مقارنته بسلوكها السابق وبسلوك نظيراتها أيضًا.
أي نظام دولي؟
يتصرف معظم الباحثين العاملين داخل تقليد «انتقال القوة» كما لو أن معنى النظام الدولي بديهي لا يحتاج إلى تعريف أو شرح. وهم يميلون إلى الخلط بينه وبين التوزيع القائم للقوة بين الدول، ثم يضعون الاثنين معًا تحت التعبير الملطّف: «الوضع القائم». وبهذا المعنى، يستبعد منظورهم احتمال أن تكون لدى الدول الراسخة دوافع لتغيير التوزيع القائم للقوة بما يزيد من قوتها هي نفسها. فهو يفترض أن هذه الدول تكتفي بما لديها وتدافع عنه، ولا تطلب المزيد. وأكثر من ذلك، يوحي هذا المنظور بأن الدولة، ما إن تسعى إلى تحسين قدراتها ومن ثم إلى تعديل توزيع القوة القائم لمصلحتها، حتى تُعدّ، بحكم ذلك وحده، مدفوعة إلى تحدي النظام الدولي، أي تحريفية بالضرورة، إلا إذا كانت تلك الدولة هي المهيمن القائم أو واحدة من حلفائه. وقد عبّرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس عن هذا التصور حين قالت إن «الصين تضيق بدور الولايات المتحدة في منطقة آسيا–المحيط الهادئ. وهذا يعني أن الصين ليست قوة من قوى الوضع القائم، بل قوة تريد تعديل التوازن الاستراتيجي في آسيا لمصلحتها». وفي وقت أقرب، وصف البنتاغون الصين بأنها قوة تحريفية تسعى إلى «إعادة ترتيب المنطقة لمصلحتها عبر توظيف التحديث العسكري، وعمليات النفوذ، والاقتصاد الافتراسي لإكراه الدول الأخرى».
والحال أن الدولة قد تسعى إلى تعزيز قوتها من غير أن تتحدى النظام الدولي نفسه، تمامًا كما يجادل منظّرو انتقال القوة في حالة الولايات المتحدة عندما تجاوزت بريطانيا. فجميع الدول، على الأرجح، تفضّل امتلاك مزيد من القوة لا أقل. بل إن الولايات المتحدة، حتى بعد أن رسّخت تفوقها المنفرد عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، واصلت السعي إلى تحسين موقعها الدولي. فقد تجاوز إنفاقها العسكري في عام 2019 مجموع إنفاق الدول الإحدى عشرة التالية لها مجتمعة، بل بلغ في بعض سنوات ما بعد الحرب الباردة ما يقارب نصف إجمالي الإنفاق الدفاعي لسائر دول العالم. وخلال سنوات صعودها، مارست السلوك ذاته الذي تتهم الصين به اليوم، حين سعت إلى إزاحة النفوذ الأوروبي من نصف الكرة الغربي. كما أعلنت مبدأ جديدًا، هو «مبدأ مونرو»، وأصرت بموجبه على أن حق التدخل في شؤون بلدان هذه المنطقة يخصها وحدها. ومع ذلك كله، ما تزال أدبيات انتقال القوة تعدّ الولايات المتحدة دولة محافظة على الوضع القائم.
من المهم هنا التمييز بين هذا السلوك التوسعي، الذي تحركه الرغبة في مزيد من القوة والموارد والإقليم، وبين رغبة الدولة أو نيتها في قلب النظام الدولي القائم. فالقوى الإمبراطورية والاستعمارية السابقة انخرطت، من دون شك، في التوسع، لكن الأدبيات لم تصنّفها جميعًا قوى تحريفية. ويلفت هنري كيسنجر الانتباه إلى هذا الفرق حين يصف السياسة العالمية بأنها «مجموعة من القواعد المقبولة على نطاق واسع، تحدد حدود الفعل المسموح به، إلى جانب توازن قوى يفرض القيود عندما تنهار القواعد، ويحول دون إخضاع وحدة سياسية واحدة لجميع الوحدات الأخرى». وعلى هذا الأساس، يشير النظام الدولي إلى القواعد المشتركة على نطاق واسع التي تضبط العلاقات بين الدول. وهذه القواعد أو المعايير التوافقية تشكل أساس المجتمع الدولي، تمييزًا له من النسق بين الدول القائم على سياسات القوة ودينامياتها. وتمضي المدرسة الإنجليزية أبعد من ذلك، فتميّز بين المؤسسات الأولية للنظام الدولي ومؤسساته الثانوية. فمنذ صلح وستفاليا عام 1648، شكّلت سيادة الدول وسلامة أراضيها المؤسسات الأولية للنظام الدولي، ثم قامت على هذه المبادئ مؤسسات ثانوية مثل المنظمات الحكومية الدولية والاتفاقات متعددة الأطراف، كالأمم المتحدة، وقانون البحار، واتفاقيات جنيف.
مع أن النظام الدولي وتوزيع القوة بين الدول مفهومان متمايزان، فإن بينهما صلة تجريبية واضحة. فالمعايير والقواعد والمؤسسات الجديدة تُستحدث، في الغالب، بعد حروب مدمرة، حين تحتل الدولة التي تقود الائتلاف المنتصر موقعًا فائق القوة. وتؤدي هذه الدولة الراجحة دورًا حاسمًا في إنشاء النظام، لكن القوة وحدها لا تكفي. فدوام هذا النظام يتطلب أيضًا قبول الدول الأخرى وتعاونها. وقد تحاول الهيمنة أن تروّج معيارًا جديدًا، مثل «الحرب الوقائية»، لكن حين يرفض الآخرون الانضواء تحته، تصطدم بعجز في الشرعية يقوّض سلطتها ويضعف قوتها.
النظام الدولي ليس ثابتًا قط، بل يظل في حال تغير مستمر، ويغدو موضع نزاع كلما تآكل الإجماع حوله. فالدول منخرطة على الدوام في صراع لدفع قيم تراها أوفق بمصالحها، ولمقاومة قيم أخرى تعدّها مناقضة لها. وهي تتحرك، في العادة، داخل منطقة رمادية لا تعني تحديًا كاملًا ولا امتثالًا كاملًا. لذلك من السهولة المضللة تصنيف الدول ثنائيًا: إما قوى تحريفية وإما قوى متمسكة بالوضع القائم. والأدق أن نفكر بطيف متدرج يراعي اختلاف تفضيلاتها السياسية وسلوكها عبر الزمن ومن قضية إلى أخرى. فقد تتمسك الدولة، مثلًا، بسيادتها حين تريد وقف الهجرة غير القانونية، ثم تعود لتنازع سيادة غيرها عندما تبرر حقها في التدخل في شؤونها الداخلية.
أما التحريفية، بالمعنى الحرفي الدقيق، أي السعي إلى تغيير القواعد أو المعايير القائمة للنظام الدولي، فهي بطبيعة الحال ليست حكرًا على القوى الصاعدة. فالقوى الراسخة قادرة هي الأخرى على الدفع بعقائد جديدة؛ ومن أمثلة ذلك استحداث فئتي الجرائم ضد السلام والجرائم ضد الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية، وطرح مبدأ «مسؤولية الحماية» في حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ورفع شعار «تغيير النظام» لإسقاط حكومات أجنبية غير مرغوب فيها، واعتماد «الحرب الوقائية» باسم الدفاع عن النفس. كما تستطيع قوى غير صاعدة أن تتحرك في الاتجاه نفسه؛ ويكفي التذكير بحملة الدول النامية من أجل إقامة «نظام اقتصادي دولي جديد»، أو بمطالبها تفكيك المؤسسات العنصرية. وعلى هذا الأساس، لا ينبغي استخدام التحريفية بوصفها لفظة قدحية مشفرة تشير إلى سياسات لا يرضى عنها المراقب. والأقرب إلى الواقع أن جميع الدول، بما فيها الصين والولايات المتحدة، تميل إلى أن تكون تحريفية انتقائية.
النظام الدولي والحروب النسقية
تفسّر سرديات انتقال القوة الحروب النسقية بوصفها ثمرة تنافس بين أقوى دولتين في العالم على تحديد طبيعة النظام الدولي. غير أن هذا التصور يواجه عدة مشكلات. أولها أن القول إن دولة قوية تستطيع، ببساطة، أن تفرض رؤيتها للنظام الدولي على الآخرين ينطوي على قدر كبير من التشويه. فهذا النظام، كما سبقت الإشارة، لا يقوم على قيادة الأقوياء وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى قبول الأضعف. والمبالغات الخطابية قد تفيد في حشد التأييد السياسي، لكنها لا تقدم صورة دقيقة عن الكيفية التي يتشكل بها النظام الدولي ويُحافَظ عليه. صحيح أن الدولة المهيمنة تستطيع أن تؤدي دورًا قياديًا في الترويج لبعض المعايير وفرض بعض القواعد، لكن الشرعية تظل أهم من الإكراه في حمل الآخرين على قبولها. والشرعية هنا تعني وجود اعتقاد واسع بأن هذه القواعد والمعايير عادلة ومشروعة. وهي تقوم، بدرجة أكبر، على منطق الملاءمة لا على منطق النتائج.
أما المشكلة الثانية، فتتمثل في أن السرديات الغالبة تمنح الحروب النسقية أولوية مفرطة في تقرير شكل النظام الدولي. وبهذا، فإنها تُهوِّن من شأن الطرق الأخرى، ومنها الإصلاح المؤسسي السلمي، في إعادة تشكيل هذا النظام. ويقدّم تعديل حصص التصويت في صندوق النقد الدولي بما يعكس على نحو أدق الوزن المتزايد للاقتصادات النامية مثالًا على هذا الإصلاح السلمي. ويمكن إضافة مثال آخر هو تعزز المعايير المتعلقة بعدم استخدام السلاح النووي بمرور الوقت. وبالمثل، وحتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003، كان يتكوّن إجماع دولي على أن التدخل العسكري من دون أي محاولة للحصول على موافقة مجلس الأمن بات شبه متقادم، وهي سمة لافتة في العلاقات الدولية المعاصرة تستحق اهتمامًا نظريًا وسياسيًا. كما أن فكرة وجود مسؤولية دولية لحماية الأبرياء، حتى عندما يقتضي ذلك تدخلًا ينتهك المفهوم التقليدي لسيادة الدولة، حازت دعمًا دوليًا، وإن ظلت موضع خلاف. وأخيرًا، فقد غدا الاستعمار، وأشكال التمييز العنصري المختلفة مثل الفصل العنصري، فاقدة للشرعية في عالم اليوم. وكل هذه الأمثلة تشير إلى أن التغير في النظام الدولي يمكن أن يحدث سلميًا من دون حاجة إلى حرب نسقية.
تتمثل المشكلة الثالثة في أن التاريخ لا يبوح بسهولة بما كان سيؤول إليه لو انتهت بعض الحروب على نحو مختلف. فمن السهل نسبيًا تخيل الشكل المغاير الذي كان يمكن أن يتخذه النظام الدولي لو انتصرت ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، أو لو خرج الاتحاد السوفياتي غالبًا من الحرب الباردة. لكن الصورة تصبح أقل وضوحًا حين يتعلق الأمر بما كان سيتغير في النظام الدولي لو انتصرت ألمانيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى، أو لو نجحت اليابان الإمبراطورية في إنشاء «مجال الرفاه المشترك في شرق آسيا» خلال الحرب الثانية. نعم، ربما كانت هاتان الدولتان ستنجحان في فرض سيطرة إقليمية على أوروبا وآسيا، على التوالي. لكن الولايات المتحدة كانت قد حققت الأمر نفسه بالفعل في نصف الكرة الغربي. وقليلون هم الذين حاولوا أن يبيّنوا كيف كانت المؤسسات الأولية للنظام الدولي، على الأقل كما مارستها وقبلتها القوى الكبرى آنذاك، ستتغير لو تمكنت ألمانيا القيصرية واليابان الإمبراطورية من بلوغ الهيمنة الإقليمية. كان مثل هذا التطور سيبدّل التوزيع القائم للقوة بين الدول، لكنه لم يكن ليغيّر، بالضرورة، قواعد اللعبة السائدة آنذاك أو النظام الدولي نفسه. والمفارقة أن اليابان الإمبراطورية، منذ إصلاحات ميجي، سعت إلى تبني المؤسسات والممارسات الغربية أملًا في أن تُقبل عضوًا في العالم «المتحضر». ولم تكن سياساتها التوسعية تختلف، في جوهرها، عن تلك التي مارستها القوى الراسخة من قبل.
فهل تتحارب الدول الكبرى فعلًا حول طبيعة النظام الدولي؟ أم أن انهيار النظام الدولي هو ما يزيد احتمال الحرب؟ عندما تُقيّد القوى الكبرى نفسها برؤية مقيِّدة للنظام الدولي، يصبح العالم أكثر سلمًا. ويشرح تشارلز كيغلي وغريغوري ريموند ذلك بالقول إن الأنظمة المقيِّدة تتضمن معايير دولية ترسم خطوط الفصل، وتدعم حرمة الأراضي المحايدة، وتكرّس مبدأ عدم التدخل. وكلما تراجع التأييد لمثل هذه قواعد اللعبة، ازداد النظام المعياري تساهلًا. ويشمل النظام المقيِّد أيضًا معايير تحد من استخدام الدول للقوة، وتعترف بشرعية النخب الحاكمة، وتحترم السلامة الإقليمية للدول الأخرى، وتؤكد قدسية الاتفاقات الدولية، وتقر بمجال النفوذ الخاص بكل قوة كبرى. وعندما يسود إجماع واسع على هذه المعايير ويجري احترامها، تغدو العلاقات الدولية أكثر استقرارًا وسلمًا. أما في النظام الدولي المتساهل، فتميل الاضطرابات والصراعات إلى الازدياد.
تبنّت الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، عقيدتي الحرب الوقائية وتغيير الأنظمة في الخارج، كما في العراق وليبيا وسوريا وفنزويلا، وهي عقائد تطعن في مرتكزات أساسية من النظام الدولي المقيِّد. وخلال الحرب الباردة، كانت الدول الغربية تُقِرّ، ولو ضمنًا، بوجود مجال نفوذ سوفياتي في أوروبا الشرقية، لكنها بعد ذلك وسعت حلف شمال الأطلسي إلى الجوار القريب لروسيا. وهي لم تعترف قط بمجال نفوذ صيني، كما يتضح من سلسلة الحروب الطويلة التي دارت على تخوم الصين، في كوريا وفيتنام وأفغانستان، ومن الطوق الذي تشكله قواعد الولايات المتحدة وحلفاؤها العسكريون على حدودها. كما دعمت الدول الغربية الحركات الانفصالية التي أدت إلى تفكيك يوغوسلافيا السابقة، لكنها لم تؤيد انفصال القرم عن أوكرانيا، وأيدت كذلك عددًا من «الثورات الملونة» لإسقاط حكومات قائمة. وتشير التطورات الأخيرة إلى أننا دخلنا مرحلة من نظام دولي أكثر تساهلًا: لا مرحلة اشتداد التنافس على المؤسسات الثانوية للنظام الدولي فحسب، بل مرحلة تتضمن أيضًا اعتداءات أكثر مباشرة على مؤسساته الأولية، أي سيادة الدولة ومبدأ عدم التدخل.
ماذا عن النظام الدولي الليبرالي؟
يكبح النظام الدولي الانفلات العاري للقوة عبر ترسيخ توقعات مشتركة وفهم متبادل بين الدول، ولا سيما في ما يتصل باحترام المؤسسات الأولية. وهو، فوق ذلك، يوفّر أساسًا لقيام مؤسسات ثانوية، مثل المنظمات والاتفاقات متعددة الأطراف، بما يخفّض كلفة التنسيق والتعامل بين الدول ويقلّص حوافزها إلى الإخلال بالتزاماتها. فعندما تنضم الدول إلى منظمات متعددة الأطراف وتوقع الاتفاقيات الدولية، فإنها تقبل بالتنازل عن جزء من حرية تصرفها، مقابل أن يُلزَم الآخرون، هم أيضًا، بضبط سلوكهم. وقد وُصف النظام الليبرالي لما بعد عام 1945 بأنه ميثاق دستوري نظمته واشنطن، يقوم على الانفتاح والتكامل والاحتكام إلى القواعد. وكانت عضويته الأساسية تتألف من بلدان شمال الأطلسي التي جمعت بين الديمقراطية والسوق الحرة. وشكّل حلف شمال الأطلسي ونظام بريتون وودز المؤسستين الثانويتين الأبرز في هذا النظام. غير أن التطورات الأخيرة دفعت بعض الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان هذا النظام الليبرالي قادرًا على الاستمرار، وعمّا إذا كانت الولايات المتحدة، بصفتها المهيمن القائم، قد غدت قوة تحريفية.
كان إيمانويل كانط قد تصور، منذ البداية، نظامًا دوليًا ليبراليًا من هذا النوع. ففي رسالته نحو السلام الدائم الصادرة عام 1795، أشار إلى ثلاثة أعمدة يقوم عليها مجتمع أمم مسالم. ويمكن نقلها، على نحو تقريبي، إلى: الجمهورية، والكوزموبوليتية، والاتحاد السلمي. فالجمهوريات، بخلاف الملكيات، يُفترض أن تكبح سلطة الحكام في الزج ببلدانهم في الحروب. وتغدو الدولة أكثر ميلًا إلى الحرب عندما لا يتحمل حكامها الكلفة الشخصية للقتال. أما عامة الناس، فهم يعرفون أن أثمان الحرب ستقع عليهم دمًا وضرائب. ولذلك، حين يمتلكون صوتًا سياسيًا داخل الجمهورية، يرجّح كانط أن تميل الكفة إلى السلام. وتشير الكوزموبوليتية إلى صور التبادل بين الناس عبر البلدان، كالتجارة والسفر، بما يعزز التعاطف والتفاهم المتبادل. أما الاتحاد السلمي، فيعني اندماج الكيانات المتقاربة في التوجهات ضمن ما سمّاه كارل دويتش وزملاؤه «مجتمعات أمنية»، حيث يصبح اللجوء إلى العنف لحسم الخلافات أمرًا غير قابل للتصور.
ألهمت أفكار كانط أدبيات أحدث عن «السلام الديمقراطي». فقد ترجم بروس راست وجون أونيل أفكار الجمهورية والكوزموبوليتية والاتحاد السلمي إلى ظواهر معاصرة هي، على الترتيب، الحكم الديمقراطي، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، والعضوية المشتركة للدول في المنظمات الحكومية الدولية. وأظهر هؤلاء، ومعهم باحثون آخرون، أن هذه المتغيرات الثلاثة تميل إلى تعزيز بعضها بعضًا، وأنها، مجتمعة، تخفّض من احتمال نشوب النزاعات العسكرية بين الدول التي تتوافر فيها هذه الخصائص. وقد غذّت هذه الأبحاث موجة من التفاؤل عندما انفتحت الأنظمة السلطوية على مسارات الدمقرطة بعد الحرب الباردة، وعندما تحولت البلدان الاشتراكية السابقة إلى اقتصاد السوق والتجارة الخارجية، وعندما عادت بلدان كانت معزولة عن العالم، مثل الصين وفيتنام وبورما وكمبوديا، إلى المنظمات الدولية. بل نشأ، في لحظة ما، شعور شبه احتفالي بأن الديمقراطية والرأسمالية قد حسمتا الصراع مع جميع المنافسين الأيديولوجيين.
غير أن هذا التفاؤل، وهذه الثقة في انتشار النظام الدولي الليبرالي وترسخه، لم يكونا في محلّهما تمامًا. صحيح أن الصيغة الثنائية لفكرة السلام الديمقراطي، أي القول إن الديمقراطيات لا تتحارب في ما بينها، تحظى بقدر معتبر من الإسناد التجريبي، لكن صيغتها الأحادية، أي إن الديمقراطيات أكثر سلمًا على العموم، تظل موضع شك. فالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والهند وإسرائيل، وجميعها دول ديمقراطية، تُعد من بين الدول الأعلى انخراطًا في الحروب والنزاعات العسكرية بين الدول. أما الاتحاد السلمي، فقد تلقى هو الآخر انتكاسات، كان أبرزها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد تجلّى هذا التراجع أيضًا في مشاعر السخط، بل والعداء أحيانًا، التي يبديها كثير من الأوروبيين تجاه بروكسل. وبالتوازي، تعثرت عملية الدمقرطة في بلدان مثل المجر وبولندا. كما حققت الشعبوية، بما تعكسه من عداء للهجرة وللعولمة، اختراقات سياسية مهمة حتى في معاقل ليبرالية تقليدية مثل النرويج والسويد. وتعززت نزعات التعصب الديني والعرقي، وكراهية الأجانب، والنزعة الحمائية الاقتصادية، بفعل انقسامات اجتماعية أكثر حدّة وتفاوت اقتصادي آخذ في الاتساع. ويتصاعد اليوم مد من القومية، بل ومن الانعزالية أيضًا، في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وهما من أبرز حَمَلة النظام الدولي الليبرالي تاريخيًا. وقد خاض دونالد ترامب حملته تحت شعار «أميركا أولًا» من دون مواربة، وكأنه عازم على هجر تقليد التعددية الذي شكّل السمة الأبرز للدبلوماسية الأميركية منذ عام 1945، بل على قلبه رأسًا على عقب. وكشف فوزه بالرئاسة عن معارضة داخلية قوية ومتزايدة للمرتكزات التقليدية للأممية الليبرالية. وكما يلاحظ جوزيف ناي، فإن التهديد الأرجح للنظام الدولي الليبرالي لا يأتي من الخارج بقدر ما يصدر عن السياسات الشعبوية في الداخل.
مع ذلك، فإن النظام الدولي الليبرالي لم يقم على المثاليات وحدها، بل استند أيضًا إلى سياسات قوة صلبة، وبخاصة إلى النفوذ الكاسح للولايات المتحدة. ولم يكن هذا النظام عالميًا حقًا بقدر ما كان نظامًا محدود النطاق. فمؤسساته الاقتصادية استبعدت البلدان الشيوعية. كما أن بُعده الأمني لم يكن ليبراليًا تمامًا، لأن التحالفات التي قادتها الولايات المتحدة ضمّت حكومات يمينية سلطوية. ولم ينجح هذا النظام، بدوره، في كبح استعمال الولايات المتحدة لقوتها حين رأت واشنطن أن مصالحها الأساسية تستدعي التحرك من جانب واحد، وبما يخالف المعايير القائمة. ومع أن النظام الدولي الليبرالي غالبًا ما يُنسب إليه الفضل في تعزيز الاستقرار والازدهار العالميين، فإن هذا الحكم قلّما اختبر تفسيرات منافسة. ثم إن الاندفاعة نحو «فكّ العولمة»، أو نحو «الفصل الاقتصادي» عن الصين في الحالة الأميركية، جاءت من الغرب، لا من الصين.
الأحادية الأميركية والتحريفية
ليس الانكفاء الأميركي عن الانخراط الدولي، ولا رفض واشنطن تقييد نفسها بالتزامات دولية، ظاهرة جديدة تمامًا أوجدتها إدارة ترامب. فالولايات المتحدة امتنعت، على نحو معروف، عن الانضمام إلى عصبة الأمم، رغم الضغط الكبير الذي مارسه الرئيس وودرو ويلسون. كما رفضت الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية، مع أنها أدّت دورًا قياديًا في التفاوض على إنشائها. وفي وقت أقرب، لقي كل من بروتوكول كيوتو بشأن الاحترار العالمي، واتفاق باريس للمناخ، والمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المصير نفسه، بعدما شاركت واشنطن في مفاوضات طويلة حول إنشائها. وفي عام 1999، رفض مجلس الشيوخ الأميركي التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية رغم تأييد الرئيس بيل كلينتون لها. وفي عام 2002، ألغى الرئيس جورج دبليو بوش معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية. أما دونالد ترامب، فقد انسحبت الولايات المتحدة في عهده من الاتفاق النووي الإيراني، أي خطة العمل الشاملة المشتركة؛ ومن الشراكة عبر المحيط الهادئ؛ ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى؛ والميثاق العالمي للهجرة؛ ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة؛ ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. كما هاجم اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية واصفًا إياها بأنها «أسوأ اتفاق تجاري في التاريخ»، وهدد بالانسحاب منها ما لم يتمكن من التفاوض على شروط أكثر فائدة للولايات المتحدة. وانسحب أيضًا من معاهدة تجارة الأسلحة، ومعاهدة الأجواء المفتوحة، ومنظمة الصحة العالمية. وفوق ذلك، قاطعت واشنطن منظمة العمل الدولية، ولوّحت بالانسحاب من الاتحاد البريدي العالمي، وعطّلت منظمة التجارة العالمية عبر منع تعيين قضاة في هيئة الاستئناف التابعة لها. كما تأخرت مرارًا، وعلى نحو مزمن، في سداد التزاماتها المالية للأمم المتحدة.
من الأمثلة الأخرى رفض واشنطن الانضمام إلى اتفاقية حظر الألغام الأرضية، ورفضها التصديق على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل. وكثير من هذه الوقائع سبق إدارة ترامب؛ فهي لم تكن أول إدارة تُظهر انعدام ثقة علنيًا، بل وازدراءً أحيانًا، تجاه المؤسسات والاتفاقات متعددة الأطراف. وما فعلته هذه الإدارة أنها عبّرت عن ميل أشد وضوحًا إلى رفض هذه المؤسسات الثانوية للنظام الدولي. وقد دلّ سلوكها على تراجع عن ركنين من أركان السلام الدائم عند كانط، بل على اعتداء عليهما: الكوزموبوليتية والاتحاد السلمي. أما الادعاء بأن الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2020 «سُرقت»، فهو يهدد أيضًا الركن الثالث عند كانط، أي الديمقراطية. وبعد اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول الأميركي في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، وُجّهت إلى ترامب تهمة التحريض على التمرد في إطار مساءلة دستورية ثانية. وعلى امتداد محطات سابقة كثيرة، كانت واشنطن ترتد عن تقييد نفسها بالمؤسسات والاتفاقات الدولية، مع أنها كثيرًا ما كانت تحث الآخرين على الالتزام بها. وقد جادل ستيفن وارد، قبل أن يصبح ترامب رئيسًا، بأن ألمانيا واليابان كانتا قوتين تحريفيتين قبل الحرب العالمية الثانية لأنهما رفضتا المشاركة في المؤتمرات والاتفاقات الدولية الخاصة بالحد من التسلح، وقاطعتا المنظمات الدولية أو انسحبتا منها، وفي مقدمتها عصبة الأمم، كما شرعتا في برامج تسلح منسقة.
ليست الاتفاقات والمنظمات الدولية المذكورة آنفًا كاملة أو معصومة من الخلل. فهي قابلة للتحسين من دون شك. لكنها، مع ذلك، تمثل مساحات واسعة من التوافق الدولي، كما تمثل بؤرًا للتعاون الدولي. وإذا فحصنا سجلات تصويت الدول في الجمعية العامة ومجلس الأمن، ظهر أن واشنطن أخذت تميل، على نحو متزايد، إلى العزلة. فمقارنة بالقوى الكبرى الأخرى، وجدت نفسها، مع مرور الوقت، في موضع تُهزم فيه بالأصوات أكثر من غيرها. وخلال الفترة 1971–2015، بلغت نسبة أصوات «نعم» من مجموع التصويتات الندائية في الجمعية العامة 75.1 في المئة، مقابل 4.7 في المئة فقط لأصوات «لا»، فيما توزعت النسبة الباقية بين الامتناع وعدم المشاركة. أما الولايات المتحدة، فلم تتجاوز نسبة أصوات «نعم» لديها 21.9 في المئة، في حين بلغت أصوات «لا» 54.2 في المئة، مقارنة بنسبة 78.8 في المئة و3.3 في المئة للصين على التوالي. وبين الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن، شكّلت أصوات «نعم» لدى الاتحاد السوفياتي/روسيا وفرنسا وبريطانيا 72.5 في المئة و43.8 في المئة و42.3 في المئة من مجموع أصواتها، بينما بلغت أصوات «لا» لديها 9.7 في المئة و20.9 في المئة و25.8 في المئة. كما أن موقع الصين التصويتي كان أقرب بكثير إلى موقعي الهند والبرازيل، اللتين سجلتا أصلًا نسبًا أعلى من أصوات «نعم» بلغت 83.6 في المئة و86.6 في المئة.
في السنوات الأخيرة، لجأت الولايات المتحدة أيضًا، بوتيرة أكبر، إلى استخدام حق النقض في مجلس الأمن لتعطيل قرارات كانت تعارضها رغم تأييد الأغلبية لها. فمنذ أكتوبر 1971، حين انضمت الصين إلى الأمم المتحدة، وحتى ديسمبر 2019، استخدمت الصين الفيتو 14 مرة، وفرنسا 14 مرة أيضًا، وبريطانيا 24 مرة، والاتحاد السوفياتي/روسيا 37 مرة، بينما استخدمته الولايات المتحدة 82 مرة. ومرة أخرى، لا تعود هذه الأنماط إلى إدارة ترامب، ولا حتى إلى إدارة جورج دبليو بوش. فالمؤشرات إلى أن الولايات المتحدة أخذت تجد نفسها، على نحو متزايد، خارج المعايير التي يعبّر عنها المجتمع الدولي عبر تصويتات الأمم المتحدة، يمكن رصدها حتى قبل إدارة كلينتون. ولأن هذه التصويتات تعكس التوقعات العامة والتطلعات الصاعدة في العالم، فإن واشنطن غدت أكثر خروجًا عن إيقاع المجتمع الدولي من بكين. صحيح أن الصين رفضت بدورها الانضمام إلى بعض المؤسسات الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، لكنها لم تُعرف بأنها انسحبت منها بعد الانضمام إليها. والأهم أن استخدام مؤشرات مثل الانضمام إلى المعاهدات الدولية، ولا سيما اتفاقات الحد من التسلح، والعضوية في المنظمات الحكومية الدولية، والتصويتات الندائية في الأمم المتحدة، لا ينبغي أن يثير جدلًا كبيرًا، لأن باحثين آخرين استخدموها من قبل لقياس تحريفية الدول.
تعلن بكين التزامها بالمبادئ الوستفالية لسيادة الدولة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وسلامة أراضيها، وهي المبادئ التي تمثل المؤسسات الأولية للنظام الدولي. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن الصين التزمت بهذه المبادئ دائمًا في الممارسة، كما تظهره نزاعاتها السيادية الخلافية في بحر الصين الجنوبي. لكنها، خلال العقود الأخيرة، انخرطت في عدد أقل من الحروب والنزاعات العسكرية بين الدول مقارنة بالولايات المتحدة. والأهم أن سياساتها الراهنة تمثل تحولًا هائلًا قياسًا إلى خطابها وممارساتها في الحقبة الماوية، حين كانت تدعم علنًا حركات التمرد الساعية إلى إسقاط الحكومات «البرجوازية»، وتقاطع المنظمات الدولية، وتتبع اقتصادًا موجهًا منكفئًا على الداخل يرفع شعار الاعتماد على الذات. وفي المقابل، تطورت السياسات الأميركية في الاتجاه المعاكس. فقد أدّت واشنطن دورًا قياديًا في إنشاء الأمم المتحدة، وكانت في سنوات المنظمة الأولى من أقوى مؤيديها. لكنها تحولت اليوم إلى ناقد حاد لهذه المؤسسة ولسائر المؤسسات متعددة الأطراف. وعلى خلاف دورها النشط والقيادي في تنظيم التنسيق الدولي لاحتواء وباء السارس بين 2002 و2004، ثم الأزمة المالية عام 2008، بدت غائبة على نحو واضح عن الجهود الدولية لمكافحة كوفيد-19.
صار الانتقال من التعددية إلى الأحادية أكثر وضوحًا في عهد ترامب. غير أن مؤشرات أسبق كانت قد دلّت بالفعل على أن الولايات المتحدة تتحرك في هذا الاتجاه، ويتجلى ذلك بأوضح صورة في غزوها العراق من دون تفويض من الأمم المتحدة، ثم لاحقًا في هجماتها على صربيا وليبيا وسوريا. كما روّجت واشنطن لعقائد جديدة، مثل الحرب الوقائية وتغيير الأنظمة في الخارج، وهي عقائد تطعن بوضوح في المؤسسات الأولية للنظام الدولي، وتمثل، بهذا المعنى، محاولات تحريفية لتعديله. ومن خلال العمل خارج الأمم المتحدة، والانخراط في ما يمكن تسميته التسوّق بين المنابر، كما في تنفيذ الهجمات على صربيا وليبيا تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، أسهمت سياساتها أيضًا في إضعاف شرعية هذه المؤسسة الثانوية المركزية في النظام الدولي وفي تقليص فعاليتها. وعندما نأخذ في الاعتبار أنواعًا مختلفة من المؤشرات التجريبية، ومن مصادر متعددة، وعبر مدى زمني ممتد، لا تبدو الصين، على نحو بيّن، أكثر تحريفية من الولايات المتحدة؛ بل إنها، قياسًا إلى سنوات الماوية، أصبحت أقل تحريفية بالفعل.
ماذا عن سوء السلوك الصيني؟
يمكن، بطبيعة الحال، إثارة اعتراضات مختلفة على الاستنتاج الذي انتهيت إليه للتو. فقد يقال، مثلًا، إن الولايات المتحدة التزمت معيار السلامة الإقليمية لأنها انسحبت من البلدان التي غزتها، ولأنها عارضت الحركات الانفصالية، في حين أن الصين لم تلتزم بهذا المعيار، إذ تطالب بجزء كبير من بحر الصين الجنوبي وتخوض نزاعات إقليمية مع اليابان والهند. غير أن الولايات المتحدة، في سنوات صعودها، استحوذت على مساحات شاسعة من الأراضي بعد هزيمة المكسيك وإسبانيا، بما يعادل كل أو أجزاء من ولايات أريزونا وكاليفورنيا وكولورادو ونيفادا ونيو مكسيكو ويوتا ووايومنغ اليوم، فضلًا عن غوام وبورتوريكو والفلبين. ومع ذلك، لا أعرف باحثًا عدّ الولايات المتحدة قوة تحريفية بسبب هذا السلوك. بل إن المكاسب الإقليمية التي حققتها ألمانيا تاريخيًا تبدو ضئيلة بالمقارنة. ثم إن موقف الولايات المتحدة من الانفصال يتوقف على زاوية النظر. هل كانت سايغون تحاول الانفصال عن فيتنام؟ وهل كانت تايوان تنفصل عن الصين؟ من المؤكد أن واشنطن أسهمت في تفكيك يوغوسلافيا السابقة. كما دعمت انفصال بنما عن كولومبيا بهدف إنشاء قناة هناك. والصين سحبت قواتها من كوريا الشمالية بعد هدنة عام 1953، بينما ما تزال القوات الأميركية متمركزة في كوريا الجنوبية حتى اليوم.
تملك الصين أكبر عدد من الحدود البرية مع دول أخرى في العالم. وقد سوّت تقريبًا جميع هذه الحدود، وغالبًا بشروط راعت مصلحة جيرانها الأصغر. ولم يبقَ خارج هذه التسويات سوى نزاعاتها الحدودية مع الهند ونيبال. صحيح أن لديها نزاعات بحرية مع عدة دول، وأنها رفضت اختصاص محكمة التحكيم الدائمة في نزاعها مع مانيلا في بحر الصين الجنوبي. لكن دولًا أخرى موقعة على اتفاقية قانون البحار لجأت هي أيضًا إلى نصوص في الاتفاقية نفسها لتستثني نفسها من تسوية النزاعات أمام محكمة دولية. أما الولايات المتحدة، فهي لم توقّع هذه الاتفاقية أصلًا. كما رفضت قبول حكم محكمة العدل الدولية القاضي بأنها انتهكت القانون الدولي عندما زرعت ألغامًا في موانئ نيكاراغوا، ونازعت كذلك مبدأ حرية الملاحة عندما فرضت «حجرًا» على كوبا عام 1962. وينقل ديفيد كانغ عن كيشور محبوباني، سفير سنغافورة السابق لدى الأمم المتحدة، قوله إن الصين هي القوة الكبرى الوحيدة اليوم التي لم تطلق رصاصة واحدة عبر حدودها خلال ثلاثين عامًا، حتى عام 2010. ثم يضيف كانغ: وعلى النقيض من ذلك، حتى في ظل رئاسة باراك أوباما التي توصف بالمسالمة، أسقطت الولايات المتحدة 26 ألف قنبلة على سبع دول في عام 2016.
اتُّهمت الصين أيضًا باتباع سياسات تجارية افتراسية. لكن دانيال دريزنر يذكر أن امتثال الصين لأحكام منظمة التجارة العالمية الصادرة ضدها كان أفضل من امتثال الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، ويخلص إلى أن الصين، بدل أن تتصرف بوصفها قوة معطِّلة، تصرفت في المقام الأول بوصفها صاحب مصلحة مسؤولًا يعزز القواعد القائمة للعبة الاقتصادية العالمية. وفي المقابل، يلاحظ بروز وزملاؤه أن الولايات المتحدة استخدمت الاستثناءات داخل منظمة التجارة العالمية لحماية صناعاتها المحلية من المنافسة الأجنبية أكثر من أي دولة أخرى، كما أن الدول الأجنبية قدّمت ضد الولايات المتحدة شكاوى في المنظمة بسبب انتهاك قواعد استثناءات التجارة أكثر مما فعلت ضد أي دولة أو تكتل آخر، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي. ولا تبرئ هذه الملاحظات بكين من ممارساتها الخاطئة، لكنها تضعها في إطار مقارن.
ماذا عن التدخل في الانتخابات؟ لقد اتهمت واشنطن روسيا بالتدخل في انتخاباتها الرئاسية عام 2016، كما اتهمت الصين وإيران بالتدخل في انتخابات 2020. غير أن الولايات المتحدة تدخلت في انتخابات دول أخرى بوتيرة أكبر بكثير، وبصورة أكثر فجاجة، يعود تاريخها على الأقل إلى محاولتها منع فوز الشيوعيين في الانتخابات الإيطالية عام 1948. كما تواطأت في انقلابات عسكرية، أو انخرطت مباشرة في غزوات أطاحت حكومات أجنبية، كما في تشيلي وغرينادا وغواتيمالا وإيران وفيتنام الجنوبية، بل وفي كوبا أيضًا، وإن أخفقت هناك. ووصل بها الأمر إلى احتجاز زعيم دولة أخرى جسديًا، كما حدث مع مانويل نورييغا في بنما، وإلى اغتيال مسؤول أجنبي في بلد ثالث، كما في اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في بغداد. وعلى النقيض، لا تُربط الصين بمثل هذه الأفعال، ولا باغتيال علماء نوويين من دول أخرى. ومرة أخرى، لا بد من مراعاة التواتر والحجم عند تقييم سلوك أي دولة، أو سوء سلوكها.
اتهمت واشنطن الصين بالتجسس السيبراني، وضغطت على دول أخرى لحظر شركة هواوي من شبكاتها للجيل الخامس، بحجة أن هذه الشركة الصينية للاتصالات قد تحصل على معلومات حساسة وتُجبر على تسليمها إلى الحكومة الصينية. والمفارقة لم تغب عن وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير، الذي ذكّر بأن الولايات المتحدة هي التي تنصتت سرًا على مكالمات أنغيلا ميركل الهاتفية عام 2015، وأن الولايات المتحدة أيضًا تُلزم شركاتها بتقديم بعض المعلومات اللازمة لمكافحة الإرهاب. وكان إدوارد سنودن قد كشف عن عمليات مراقبة جماعية نفذتها وكالة الأمن القومي بالتعاون مع حكومات أوروبية وشركات اتصالات أميركية. كما تحدثت وسائل إعلام عن قيام الولايات المتحدة بزرع أجهزة تنصت في طائرة بوينغ بيعت لاستخدام الرئيس الصيني. وأشارت تقارير إعلامية أخرى إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل استخدمتا فيروسًا حاسوبيًا، هو «ستاكسنت»، لإلحاق الضرر بالبرنامج النووي الإيراني. والخلاصة أن الاختراق والحرب السيبرانية ليسا مما تمارسه الصين وحدها.
يثير سوء معاملة الصين لمعارضيها السياسيين في الداخل، ولأقلياتها الإثنية، شكوكًا أيضًا بشأن سياستها الخارجية. فالدولة التي تسيء معاملة مواطنيها لا يُرجّح أن تعامل الأجانب على نحو أفضل. غير أن المفارقة هنا أن العلاقات الصينية–الأميركية كانت أكثر وئامًا وتعاونًا في عهود نيكسون وفورد وكارتر، حين كانت الصين تُحكم بنظام أشد تسلطًا مما هي عليه اليوم. ومن دون التساهل مع أي انتهاك لحقوق الإنسان أو أي قمع سياسي، فإن قدرًا من مراجعة الذات، إلى جانب منظور مقارن، يظل مطلوبًا مرة أخرى. فقد جاءت احتجاجات هونغ كونغ الأخيرة في وقت كانت تشهد فيه بوليفيا وتشيلي وكولومبيا والإكوادور وفرنسا وإيران والعراق ولبنان والولايات المتحدة تظاهرات حاشدة، بما في ذلك احتجاجات «حياة السود مهمة». وفي يناير/كانون الثاني 2021، اندلعت كذلك احتجاجات واسعة في هولندا بسبب حظر التجول المفروض استجابة للجائحة، وفي الهند على خلفية دعم الحكومة للمزارعين، وفي الولايات المتحدة بسبب مزاعم التلاعب الانتخابي، وفي روسيا من قبل أنصار أليكسي نافالني. وأيّ هذه البلدان سجّل عددًا أكبر من الضحايا والموقوفين نتيجة تدخل الشرطة؟
شعر كثير من الأميركيين بالصدمة من مشهد أنصار ترامب وهم يقتحمون مبنى الكابيتول، ووصفوهم بـ«المتمردين». لكن كثيرين من هؤلاء أنفسهم شاهدوا أيضًا مشاهد استيلاء محتجين على المجلس التشريعي في هونغ كونغ وتخريبهم له، ومع ذلك قلّما استخدموا الوصف نفسه بحق من يطالبون باستقلال هونغ كونغ. وتكشف هذه الوقائع عن تفاوت الناس في الوصول إلى المعلومات، وعن لجوئهم إلى معايير تقييم مختلفة، وإن بدت متشابهة في ظاهرها. فنادرًا ما يُستدعى مثلًا مصير الفلسطينيين أو السكان الأصليين في أميركا عند الحكم على ما إذا كانت إسرائيل أو الولايات المتحدة قوة تحريفية، أو كانت كذلك في الماضي.
الخاتمة
بعد الحروب النابليونية، أنشأت الدول الأوروبية الكبرى «حفل أوروبا» للحفاظ على السلام والاستقرار، وفي الوقت نفسه لصون أنظمتها الداخلية ونخبها الحاكمة. وبحسب معظم التقديرات، نجح النظام الذي أرسته هذه المؤسسة في حفظ السلام داخل أوروبا. فقد شهدت الفترة بين 1816 و1848 عددًا أقل من النزاعات العسكرية والحروب مقارنة بالفترة بين 1849 و1870 التي أعقبت انهيار «الحفل». ولم ينشأ تفكك هذا النظام من رغبة أعضائه الاستبداديين، بروسيا وروسيا والنمسا–المجر، في هدمه، بل جاء، على العكس، نتيجة جهود مقصودة بذلها أعضاؤه الليبراليون لتقويضه. فقد تخلّت بريطانيا وفرنسا عن النظام القائم على «الحفل» استرضاءً للرأي العام الداخلي. وبينما أرادت الأنظمة الاستبدادية المحافظة على الوضع السياسي القائم وتقديم العون المتبادل دفاعًا عن ملكياتها، نظر الأعضاء الليبراليون إلى الأمر على نحو مختلف. وفي هذا السياق، يلاحظ تشارلز كوبتشان أن بريطانيا كانت قد أصبحت، فعليًا، قوة تحريفية، تسعى إلى توسيع نفوذها الجيوسياسي وتصدير أيديولوجيتها الليبرالية.
ينبغي التنبه إلى انحياز لصالح الوضع القائم يتسلل كثيرًا إلى الخطاب المتعلق بالنظام الدولي. فهذا النظام ليس، بالضرورة، في خدمة الحرية أو العدالة أو المساواة أو الكرامة الإنسانية. فالنظام الذي تصوّره مؤتمر فرساي للسلام بعد الحرب العالمية الأولى، مثلًا، لم يعترف بمبدأ المساواة العرقية؛ إذ رفضت الدول الغربية مطلب اليابان بإقرار هذا المبدأ. كما أن حماسة الرئيس ويلسون لمبادئه الأربعة عشر، التي روّجت لأفكار مثل الدبلوماسية العلنية والتجارة الحرة وتقرير المصير، لم تجد صدى مماثلًا لدى القوى الكبرى الأخرى. ثم إن تقرير المصير لم يشمل شعوب المستعمرات الأوروبية، ولا الفلبين، مع أنها كانت مستعمرة أميركية.
فهل تختلف الولايات المتحدة والصين اختلافًا جوهريًا في «تحريفيتهما»؟ يُقال إن واشنطن لا تريد سوى الاحتفاظ بصدارتها داخل النظام القائم، بينما تريد بكين استبداله بنظام غير ليبرالي. لكن النيات يصعب الجزم بها، في حين أن السلوك الفعلي أيسر للرصد. فمنذ نهاية الحرب الباردة، انخرطت الولايات المتحدة في برنامج نشط لتغيير الأنظمة، وفتح أسواق البلدان الاشتراكية السابقة، وتوسيع حلف شمال الأطلسي. وهي لم تكتفِ بمحاولة الحفاظ على قيادتها للنظام الليبرالي الغربي المحدود، جغرافيًا وأيديولوجيًا، الذي ساد خلال الحرب الباردة، بل سعت، على نحو أكثر طموحًا، إلى إقامة نظام عالمي جديد يعكس قيمها ومصالحها، على ما يذهب إليه ميرشايمر. لقد مارست الهجوم لا الدفاع. أما بكين، فعلى الرغم من أن بعضهم شكك في التزامها المعلن بالعولمة وبالمبادئ الوستفالية، فإن معظم الباحثين اتفقوا، حتى الآن، على أنها تصرفت أقرب إلى صاحب مصلحة مسؤول منها إلى قوة معطِّلة.
كما أن السخط على العولمة، والاندفاعة نحو فك العولمة، صدرا من الغرب والولايات المتحدة أكثر مما صدرا من الصين، وهو ما يعيد طرح السؤال: من الذي يسعى فعلًا إلى تغيير النسق أو مراجعة النظام الدولي؟ فسياسة بكين الخارجية تعكس بوضوح أنها كانت من أكبر المستفيدين من العولمة، في حين يرتبط تململ الغرب، إلى حد بعيد، بإدراكه أنه لم يحقق منها ما كان يتوقعه. وثمة هنا ثلاث ملاحظات أساسية.
أولًا، من هو «الغرب» أصلًا؟ فمن المؤكد أن الأثرياء، والشركات الأميركية والغربية متعددة الجنسيات، استفادوا كثيرًا من عصر العولمة، حتى لو لم ينعكس ذلك بالمقدار نفسه على قطاعات واسعة من الناس العاديين.
ثانيًا، قد يدل فكّ العولمة على تراجع نسبي، أو على انخفاض في معدل نمو التجارة والاستثمار عبر الحدود بين بعض البلدان، وربما أيضًا على تراجع استعداد الغرب لاستقبال اللاجئين والمهاجرين؛ وإذا صح ذلك، فهو يطرح أسئلة عن مدى التزامه أصلًا بهذه القيم الليبرالية وغيرها. لكن من المبالغة القول إن هذا سيقترن، أو سيقود، إلى تراجع مماثل في تدفقات المعلومات أو الأمراض المعدية أو آثار الاحترار العالمي عبر الحدود. وحتى في المجال الاقتصادي نفسه، ليس واضحًا أن بريكست مثلًا، أو سياسة الفصل الاقتصادي الأميركية عن الصين، ستعني بالضرورة تراجع الروابط بين بلدان أخرى. فقد تزداد المبادلات الاقتصادية داخل بعض الأقاليم أو بينها، مثل أوروبا القارية وشرق آسيا، بل قد تتسارع، ولا سيما بعد توقيع الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، والاتفاق الشامل للاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين، في أواخر عام 2020. ولا يوجد ما يدل على أن الصين تريد فك الارتباط بالعالم أو الانسحاب منه. بل إن إدارة بايدن تراجعت بالفعل عن بعض سياسات ترامب، ولا سيما بالعودة إلى اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية. والمهم هنا هو إدراك مصدر الدافع إلى فك العولمة، أي تقليص تدفق البشر والتكنولوجيا والسلع، والانتباه إلى وجود اتجاهات متباينة، وإلى إمكان انعكاس المسار من جديد.
ثالثًا، وكما فعلت قوى سبقتها اعتمدت على توسيع الصادرات بوصفه محركًا للنمو، كانت الصين طرفًا في صفقة كبرى ضمنية. وهذه الصفقة تعني، في جوهرها، أن الدول صاحبة الفوائض التصديرية تعيد تدوير مكاسبها لتمويل التوسع المالي والنقدي الأميركي، فضلًا عن إفادة المستهلك الأميركي الذي يتمكن، بفضل الواردات الرخيصة، من مدّ قدرته الشرائية المنزلية. وفي مقابل دخولها إلى السوق الأميركية، تقبل هذه الدول حيازة دولارات فقدت جزءًا من قيمتها. وفي حالتي اليابان وكوريا الجنوبية، يضاف إلى ذلك تبادل الخضوع السياسي بالحماية العسكرية الأميركية. أما الصين، فقد انطوت الصفقة بالنسبة لها على فتح اقتصادها أمام الشركات الأجنبية للاستثمار والإنتاج، وهو ما كان شبه معدوم في اليابان وكوريا الجنوبية، وعلى شراء كميات كبيرة من أدوات الدين الأميركية. وبهذا المعنى، لم يكن هذا الترتيب طريقًا باتجاه واحد يتيح للصين الركوب المجاني.
غير أن هذه الصفقة الضمنية، التي يُطلق عليها أحيانًا اسم العولمة، تبدو اليوم آخذة في التقادم. فالقوة الشرائية للمستهلك الأميركي أصبحت أكثر تعرضًا للضغط، كما أن السوق الأميركية والدولار لم يعودا بالقدر نفسه من الجاذبية التي تمتعا بها سابقًا. وفي المقابل، غدت الصين الشريك التجاري الأهم لكثير من بلدان شرق آسيا، وهي بلدان لم تعد بالهشاشة الاقتصادية ولا بالارتهان اللذين طبعا وضعها في السابق. ومنذ نهاية الحرب الباردة، تراجعت العلاوة التي كانت تمنحها الحماية العسكرية الأميركية، في حين ارتفعت كلفة استعداء الصين وهي تزداد قوة. وفي شرق آسيا تحديدًا، تبدو الدينامية الأساسية هي تفكك هذه الصفقة الكبرى الضمنية، لا فك العولمة بالمعنى الشائع. وهذا يفسر الموقع الذي تحتله الصين في السرديات الرامية إلى تأكيد القيمة المستمرة، بل الضرورة، للحماية العسكرية الأميركية. ومع ذلك، فإن دول شرق آسيا لا تبدي استعدادًا للاختيار بين الولايات المتحدة والصين. فهي، بدلًا من الانفصال عن إحداهما أو عن بعضها بعضًا، ستواصل الانخراط مع الجميع.
International Affairs, Volume 97, Issue 5, September 2021, Pages 1335–1352,
تندرج هذه المقالة ضمن العدد الخاص الصادر في سبتمبر 2021 من مجلة الشؤون الدولية بعنوان: «نزع العولمة؟ مستقبل النظام الدولي الليبرالي»
