حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن التطبيق الكامل لقيود التصدير الصينية على العناصر الأرضية النادرة قد يعرّض إنتاجًا سنويًا بقيمة 6.5 تريليون دولار للاضطراب خارج الصين.
ما العناصر الأرضية النادرة؟
هي مجموعة من 17 عنصرًا معدنيًا ضرورية لصناعة مغناطيسات عالية الأداء تدخل في المحركات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والطائرات، والصواريخ، وأجهزة الرادار، والهواتف، والرقائق الإلكترونية.
تعد قيمة هذه المعادن منخفضة مقارنة بقيمة المنتجات التي تعتمد عليها، إذ يمكن أن يؤدي نقص بضعة كيلوغرامات من مادة يصعب استبدالها إلى توقف خطوط إنتاج بمليارات الدولارات.
من أين جاء رقم 6.5 تريليون دولار؟
في أكتوبر 2025، وسعت الصين ضوابطها لتشمل خمسة عناصر أرضية نادرة إضافية. أدخلت متطلبات ترخيص أوسع قد تشمل أجزاء ومكونات مصنعة خارج الصين إذا احتوت على مواد صينية أو استُخدمت فيها تقنيات صينية.
يمثل هذا توسعًا مهمًا، حيث لم تعد القيود تقتصر على شحنات المعادن من الموانئ الصينية، بل يمكن نظريًا تتبع المواد الصينية عبر سلسلة التصنيع الدولية.
علقت بكين تنفيذ القيود الجديدة لمدة عام في نوفمبر 2025. لكن وكالة الطاقة حسبت ما قد يحدث إذا طُبقت بالكامل. خلصت إلى أن نشاطاً صناعياً بقيمة 6.5 تريليون دولار سنويًا قد يصبح معرضًا لتعطل الإمدادات. قد تتجاوز الخسائر المباشرة المحتملة 1.5 تريليون دولار في الولايات المتحدة ومبلغًا مماثلًا في أوروبا.
قطاع السيارات هو الأكثر تعرضًا، مع إنتاج تتجاوز قيمته ثلاثة تريليونات دولار خارج الصين. تليه الإلكترونيات والطيران والشاحنات والقطارات. كما تشمل القائمة الصناعات الدفاعية ومراكز البيانات.
لماذا تملك الصين هذا النفوذ؟
توجد احتياطيات من العناصر النادرة في دول عديدة. لكن استخراج الخام ليس سوى المرحلة الأولى. بعد ذلك يجب فصل العناصر وتنقيتها، ثم تحويلها إلى معادن وسبائك ومساحيق، ثم تصنيعها في صورة مغناطيسات دائمة عالية الأداء.
الصين أنشأت سلسلة متكاملة تشمل معظم هذه المراحل. رغم انخفاض حصتها في تكرير العناصر النادرة عالميًا من 90% عام 2023 إلى 85% في 2025 بعد دخول قدرات جديدة في الولايات المتحدة وماليزيا، ما زالت تهيمن على القطاع. كما تنتج أكثر من 90% من الغرافيت المعالج لبطاريات السيارات الكهربائية.
العنق الحقيقي للزجاجة غالباً في الفصل والتكرير وصناعة المغناطيسات، إذ قد تفتتح دولة غربية منجماً جديداً لكنها تظل مضطرة لإرسال الخام إلى الصين لمعالجته.
هل تحتاج الصين إلى فرض حظر شامل؟
لا، وهذه النقطة هي الأهم من الناحية الاستراتيجية.
الحظر الكامل يعد قرارًا جذريًا يدفع الدول الأخرى إلى الرد، ويسرع تطوير البدائل، وقد يضر بالمصنعين الصينيين. في المقابل، يوفر نظام التراخيص مرونة أكبر.
يمكن لبكين طلب بيانات تفصيلية عن المستخدم النهائي، أو تأخير الموافقات، أو منح تراخيص لبعض الشركات ورفضها لأخرى، أو السماح بتصدير المنتجات النهائية مع تقييد تصدير المعادن والمركبات التي يحتاجها المنافسون للتصنيع الذاتي.
في أبريل ومايو 2025، أدى تشديد الضوابط إلى هبوط حاد في صادرات بعض العناصر والمغناطيسات. واجه مصنعو سيارات في الولايات المتحدة وأوروبا صعوبة في الحصول على المغناطيسات واضطر بعضهم إلى خفض الإنتاج أو إيقافه مؤقتًا. تحسنت الصادرات لاحقًا بعد إصدار التراخيص لكن تكاليف الحصول على مغناطيسات من خارج الصين بقيت أعلى.
وفي مايو 2026، قال الممثل التجاري الأميركي إن تدفق الصادرات تحسن، لكن الموافقة على بعض الشحنات ظلت بطيئة، وإن واشنطن اضطرت أحيانًا إلى التدخل لصالح شركات أميركية.
يعتمد النفوذ الصيني على التحكم في وتيرة تدفق المواد، وليس فقط على الإغلاق الكامل.
ما الهدف الاستراتيجي المحتمل؟
لا تهدف بكين بالضرورة إلى وقف الصناعة الغربية بالكامل، بل تسعى إلى جعل الوصول إلى المواد أقل يقينًا وأكثر تكلفة.
يدفع هذا الغموض الشركات إلى زيادة المخزونات، وتأجيل الاستثمارات، والبحث عن موردين بدلاء، وإعادة تصميم المنتجات. كما يمنح الصين ميزة تفاوضية في النزاعات المتعلقة بالرقائق والتعريفات والتكنولوجيا وتايوان.
يمثل ذلك إكراهًا اقتصاديًا من خلال استغلال موقع مركزي في شبكة التجارة العالمية لتغيير حسابات الدول الأخرى.
مع ذلك، فإن هذا النفوذ ليس بلا تكلفة، إذ قد يؤدي الإفراط في استخدامه إلى دفع الدول الغربية واليابان لتقليل الاعتماد على الصين وتسريع تطوير بدائل مستقلة.
لماذا يصعب على الغرب التخلص من الاعتماد؟
بناء سلسلة إمداد بديلة يتطلب أكثر من مجرد افتتاح بعض المناجم.
تقدّر وكالة الطاقة أن تلبية الطلب خارج الصين بحلول 2035 تتطلب مضاعفة القدرات التعدينية وزيادة قدرات التكرير أربع مرات وتصنيع المغناطيسات ست مرات.
حتى مع تنفيذ المشروعات المعلنة، لن تغطي القدرات غير الصينية في 2035 سوى نصف الطلب على التعدين وربع التكرير وأقل من 20% من المغناطيسات.
وتقدر الوكالة أن تطوير سلاسل إمداد جديدة للمغناطيسات يتطلب نحو 60 مليار دولار خلال العقد المقبل، وهو مبلغ صغير مقارنة بحجم الإنتاج المهدد. إلا أن التمويل وحده لا يكفي لتجاوز تحديات الخبرة والتراخيص والأسعار والعمالة واستقرار الطلب.
تواجه المصانع الغربية الجديدة منافسة من منشآت صينية أقدم وأكثر كفاءة من حيث التكلفة. لذلك، قد تحتاج الحكومات إلى تقديم ضمانات أسعار، وعقود شراء طويلة الأجل، ودعم مباشر لعمليات التكرير وصناعة المغناطيسات، وليس للتعدين فقط.
هل يعني ذلك أن الصين تستطيع شل الغرب متى شاءت؟
ليس بهذه البساطة.
قد يؤدي التطبيق الكامل للقيود إلى أضرار واسعة، لكنه لن يتسبب بالضرورة في توقف فوري لإنتاج بقيمة 6.5 تريليون دولار. تمتلك الشركات مخزونات متفاوتة، وبعض العناصر قابلة للاستبدال، وبعض المنتجات يمكن إعادة تصميمها، كما يمكن للدول إعطاء الأولوية للاستخدامات الدفاعية أو الحيوية.
يفترض هذا التقدير وجود اضطراب شديد في الوصول إلى المواد. ويعتمد حجم الخسارة الفعلية على مدة القيود ونطاقها، وطريقة تطبيق التراخيص، وحجم المخزون، وسرعة ظهور موردين وبدائل تقنية.
يجب التمييز بين التعرض للخطر وحجم الضرر الفعلي، إذ إن المصنع الذي يعتمد على مغناطيس صيني لا يفقد كامل إنتاجه عند تأخر شحنة واحدة.
ماذا يعني ذلك في ميزان القوى؟
الخبر يكشف تغيرًا أوسع في طبيعة القوة الدولية.
خلال العقود الماضية، اعتُبر الترابط الاقتصادي وسيلة لتقليل الصراعات، حيث يؤدي الاعتماد المتبادل بين الدول إلى زيادة تكلفة المواجهة. إلا أن الترابط غير المتكافئ قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تكتسب الدولة التي تسيطر على حلقة يصعب استبدالها بسرعة نفوذًا على الدول الأخرى التي تعتمد عليها.
هذا هو موقع الصين في العناصر النادرة. وهي لا تسيطر فقط على مادة خام، بل على عقدة صناعية تربط الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة والدفاع والنقل.
تكمن مشكلة الغرب في نتائج عقود من نقل عمليات التكرير والتصنيع إلى الخارج، مما أدى إلى كفاءة اقتصادية مؤقتة ولكن إلى هشاشة استراتيجية على المدى الطويل، وليس في ندرة الموارد.
ماذا نراقب الآن؟
أولًا، ما إذا كانت الصين ستعيد تطبيق القيود المؤجلة عندما تنتهي مهلة العام، أم ستستخدم التمديد ورقة تفاوض.
ثانيًا سرعة إصدار التراخيص لا القرارات الرسمية وحدها. التأخير الإداري قد يكون أكثر تأثيرًا من إعلان الحظر.
ثالثًا، ما إذا كانت الاستثمارات الغربية ستنتقل من المناجم إلى التكرير وصناعة السبائك والمغناطيسات. تلك هي الحلقة الأصعب.
رابعًا، نجاح الشركات في تطوير محركات ومغناطيسات تستخدم كميات أقل من العناصر النادرة أو تستغني عنها. البديل التقني قد يكون أسرع من محاولة تكرار سلسلة الإنتاج الصينية بالكامل.
الخلاصة:
لا تحتاج الصين إلى قطع الإمدادات للضغط، بل يكفي أن تجعلها مشروطة وبطيئة وغير متوقعة، مما يمنحها نفوذًا كبيرًا على صناعات بتريليونات الدولارات من خلال كميات ضئيلة من المعادن.

