حدود التوظيف الاقتصادي للقوة الكبرى
بلغ استخدام الثقل التنظيمي، وتدفقات التجارة، والإكراه الاقتصادي الصرف أدواتٍ للسياسة الخارجية لدى القوى الكبرى ذروته وبدأ يتراجع. القوى المتوسطة مرشحة لجني المكاسب.
يقترب الاقتصاد العالمي من ذروة التوظيف الاقتصادي للقوة أو الإكراه أو صناعة المعايير أو التنظيم، اختر الاسم الذي تشاء. خلال هذا العقد، امتلكت القوى الكبرى حصة سوقية أتاحت لها إرغام الآخرين على الانضواء تحت قواعدها، وابتلاع الاختلالات الناتجة عنها، وإعادة التفكير في استراتيجياتهم العسكرية. غير أن هذه الرهانات بدأت تتفكك على نحو متزايد. القوى التي صاغت قواعد السوق بالغت في استخدام أوراقها، والقوى المتوسطة ستكون الرابح الأرجح.
القوة العالمية عبر التنظيم: حالة الاتحاد الأوروبي
ظل أثر بروكسل الشهير موضع حسد لدى كثير من التكنوقراط. فمن خلال قوة السوق الأوروبية الموحدة، والتبني المبكر للطاقات المتجددة، استطاع الاتحاد الأوروبي أن يجعل تنظيماته المفصلة معيارا عالميا في انبعاثات الكربون، والممارسات الزراعية، واستخدام البيانات. تبرز أمثلة عدة، يعرفها العالم باختصاراتها. فقد أنشأت آلية تعديل حدود الكربون أداة سوقية لخفض الانبعاثات وتحفيز الانتقال الطاقي، من دون رسوم صريحة أو حظر مباشر. وجاء قانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية لمواجهة التركز السوقي المناهض للمنافسة وضمان حماية بيانات المستخدمين. وبعد أن استنسخت ولاية كاليفورنيا اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات، صار حتى الأميركيون يجيبون بنعم أو لا على ملفات الكوكيز.
بصرف النظر عن حسن النيات، يعترف مسؤولو التجارة في بروكسل اليوم علنا، بأنهم يواجهون اتهامات بالإمبريالية التنظيمية، وهو تعبير واسع الحضور في التعليقات السياسية داخل الأسواق الصاعدة. عبء الامتثال لقواعد حماية البيانات نفّر مراكز الابتكار التقني، مثل الهند ودول الخليج، وهي قادرة على الاستغناء عن السوق الأوروبية والانحياز إلى طفرة ابتكار محلية متصاعدة. كما أخذت الاقتصادات النامية تنفر من المعايير الأوروبية في قطاعي الطاقة والبيئة.
تثير آلية تعديل حدود الكربون وتنظيمات مكافحة إزالة الغابات امتعاض الرئيس البرازيلي ذي النزعة البيئية لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، وألقتا بظل طويل على قمة المناخ في العام الماضي وعلى التصديق على اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور، المتعثر منذ زمن. والمفارقة أن قبضة التنظيم الأوروبي تبدو أقل تهديدا وجوديا للأسواق الصغيرة المرنة منها لشركات التكنولوجيا الأميركية التي لا تعمل إلا على نطاق واسع. أما الدعوات إلى السيادة الرقمية — وهي حتى الآن مفهوم محصور في نقاط الحديث — فتدق أجراس الإنذار في مجالس إدارة الشركات الأميركية، وتستفز السياسيين الذين يمثلونها. الأسواق الأصغر أقل شعورا بالتهديد.
يشهد أثر بروكسل انقلابا في الحظ مع ازدياد قوة الشركاء العالميين. نادرا ما تجد اليوم مسؤولين أوروبيين يدافعون عنه بحماسة. المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي يميلان إلى تفكيك بعض التنظيمات باسم التنافسية، أي خفض الالتزامات وفتح خزائن المال العام أمام الصناعة. إلى وقت قريب، كان المسؤولون يرفعون مبادئ سياسة المنافسة: وضع المعايير وشد الأحزمة المالية. تبدو العبارتان متقاربتين، لكنهما تنتميان إلى بيئتين عالميتين مختلفتين. وقد ترسخ اليوم داخل أوروبا توافق يرى أن التنظيم حفّز نشوء بدائل عالمية، بينما أعاق النمو الأوروبي.
القوة العالمية عبر فائض القدرة الإنتاجية: حالة الصين
في ذروة المواجهة التجارية مع إدارة ترامب في العام الماضي، قيدت الصين الوصول إلى المعادن الخام الحرجة ورقة تفاوضية. لقد أمسكت بالصناعة العالمية من زر تعطيل قاتل، خطوة سياسية بارعة. كانت الحكومات الغربية تراقب صفقات الصين في المعادن الحرجة داخل أفريقيا وأميركا اللاتينية بقلق متزايد، لكنها لم تر في خطر سلاسل الإمداد تهديدا وجوديا يدفعها إلى تحمل كلفة التنويع.
غير أن حظر التصدير الصيني سيثبت قريبا أنه يرتد على أصحابه. يتحرك قادة الصناعة الغربيون، بصمت وسرعة، حول العالم لإبرام صفقات عاجلة عبر مزايدة الصين في أفريقيا وأميركا الجنوبية، بالتوازي مع ضخ جهود كبيرة في عقود باهظة ترعاها الدول مع أستراليا وكندا والدول الإسكندنافية وولايات أميركية. هذه المناورة ستفكك الرافعة الصينية.
ما زال نادي مشترين للمعادن الحرجة وآلية لتسعير السلع الأولية بعيدين، لكن الصين لم تكن تستطيع استخدام هذا التهديد إلا مرة واحدة. فقد رفع ابتزازها القدرة التفاوضية للمورّدين الحاليين: دول أفقر مثل الكونغو وأنغولا، ودول متوسطة الدخل مثل جنوب أفريقيا وتشيلي، اعتادت تاريخيًا قبول الأسعار لا صناعتها، إلى جانب شريحة واسعة من الغرب الصناعي صارت مستعدة لدفع علاوة لهم.
كما تصطدم إساءة الصين المنفلتة لاختلالات التجارة العالمية برياح معاكسة قوية. فائض القدرة الصناعية، في ذاته، شكل من أشكال التوظيف الاقتصادي للقوة. فقد تركت سرقة الملكية الفكرية الدولية، مقترنة بدعم حكومي واسع النطاق، الاقتصادات الغربية عالقة بين محاولة استرضاء وحش قبل أن يبتلعها، أو اللجوء إلى أساليب زعزعة مضادة للرد عليه، بينما وجدت الاقتصادات النامية نفسها امتدادا لسلسلة قيمة صينية. وعلى مدى عقود، اتسعت قدرة العالم على امتصاص الإغراق الصيني المدعوم من الدولة اتساعا هائلا. أما الردود العالمية فبقيت مجزأة ومحدودة.
هذا يتغير. خلال السنوات الخمس الماضية، دفعت الصين إلى تفعيل آليات الحماية في كل زاوية تقريبا من العالم. دول متباعدة جغرافيا وسياسيا، مثل إندونيسيا وتركيا والأرجنتين وكازاخستان، انضمت إلى دول مجموعة السبع للحد من التوغل الصيني في التجارة والاستثمار في البنية التحتية. تدابير الحماية هي طبعا لغة منظمة التجارة العالمية المهذبة للتعريفات الجمركية وحظر الواردات. يندب أنصار التجارة الحرة هذا الرد، لكن الممارسة تتسع عالميا مع ازدياد استعداد الدول لمواجهة الإمبريالية التنظيمية الصينية. ومع انهيار الاستهلاك داخل الصين، لا يملك القادة خيارا واسعا سوى مواصلة بيع سلعهم في الخارج بأقل من قيمتها، أسرى فخ صنعوه بأيديهم.
القوة العالمية عبر الإكراه: حالة الولايات المتحدة
استخلصت إدارات أميركية متعاقبة الدرس الخطأ من توسعها في استخدام العقوبات المالية، مستندة إلى موقع الدولار في معظم تسويات التجارة والمعاملات المالية. تستطيع عقوبة واحدة أن توقف مصنعًا في الطرف الآخر من العالم. ولا يتوقف الأمر عند ذلك المصنع وحده، بل يمتد إلى منتجي كل مدخل يدخل في إنتاجه.
أراد صانعو السياسة أن تصبح ضوابط التصدير بالقوة نفسها. غير أن تمويل حركة السلع شيء، ونقلها شيء آخر. راهنت إدارة بايدن على أن تقييد وصول الرقائق المتقدمة إلى الصين، ومنع شركاء الولايات المتحدة التجاريين من إدخال الرقائق الأميركية في سلاسل القيمة المرتبطة بالصين، سيبطئان التطور المحلي للتقنيات المتقدمة والترابط المدني-العسكري اللازم للحرب، ولا سيما في ملف تايوان.
تفككت الاستراتيجية بسرعة. سارعت الصين إلى سدّ الفجوات التقنية بالإنتاج المحلي، وطُرحت أداة الذكاء الاصطناعي “ديب سيك”، وتكاثرت ثغرات التجارة عبر أطراف ثالثة. انتهى الأمر على طريقة ترامب الخاصة، إلى ترخيص بيع بعض النماذج ضمن مقايضة على المعادن النادرة، ثم مضت إدارته إلى تفكيك قيود عهد بايدن على انتشار الذكاء الاصطناعي عبر أطراف ثالثة.
هل كان ممكنا أصلا أن تعيق ضوابط التصدير تقدم الصين التقني؟ الفكرة كانت بعيدة الاحتمال من الناحية النظرية، وشبه مستحيلة من ناحية التنفيذ. استخدام العقوبات المالية والإفراط فيها مادة ثابتة في مذكرات مسؤولي الخزانة الأميركية، لكن تشريح تجربة ضوابط التصدير سيُظهر أن تحويل مسار السلع الأميركية ينطوي على خطر تنظيمي أكبر بكثير من الهروب من الدولار.
الفيل الأبيض في الحالة الأميركية هو الرسوم الجمركية، وهي بدورها مرشحة لتشريح سياسي لاحق. قرار المحكمة العليا الأميركية بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لا يصلح أساسا لإدارة الرسوم الجمركية وجه ضربة إلى إطلاقية الحرب التجارية، وسيمنع السلطة التنفيذية من استخدام التهديد بالرسوم أداة إكراه سياسي مباشر. وبينما يعيد المفاوضون الأميركيون تركيب نظام الرسوم عبر نصوص قانونية بديلة تتطلب جهدا كبيرا، صار الضرر اللاحق برافعة التجارة واضحا.
ردت الدول الواقعة في مرمى واشنطن ردت بدورها. تجاوزت كندا أجيالا من الحواجز التجارية بين مقاطعاتها وبنتية خطوط الأنابيب العابرة للقارة لتخفيف اعتمادها على الولايات المتحدة، وتعمقت الروابط الإقليمية في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية؛ وأجّل مستثمرون أوروبيون مشاريع في الولايات المتحدة أو ألغوها، مفضلين الشرق الأوسط، أما الهند بعدما صدمها ترامب بسبب استيرادها النفط الروسي، فقد اندفعت نحو الشركاء التجاريين الأوروبيين وتعهدت بتفكيك جانب من بيروقراطيتها سيئة الصيت، تلك التي طالما نفرت الاستثمار الأجنبي. يأمل الفريق الاقتصادي الأميركي أن تساعد بيئة الرسوم المرتفعة على ترميم القاعدة الصناعية الأميركية، وستنجح هذه المقاربة في حالات مختارة. لكن الشركاء التجاريين غاضبون. وفي سعيها إلى انتزاع رافعة ضغط قصيرة الأمد، ربما خسرت الولايات المتحدة تلك الرافعة في ما هو آت.
من ضوابط التصدير في عهد بايدن إلى رسوم ترامب، تجاوزت الولايات المتحدة قدرتها على كسب التنافسية عبر سياسة تنظيمية عقابية. لذلك تبدل المزاج نحو تحصين القاعدة الصناعية الأميركية، وتحول التوافق بين الحزبين إلى دعم رأس المال الخاص وتبني السياسة الصناعية. هذا ليس مجرد انعزالية متنكرة. فالتحركات التنظيمية الأميركية أخذت تفقد قوتها تدريجيا حين واجهت مراكز القوة المتعددة في اقتصاد عالمي أكثر تنوعا. ونتيجة لذلك، تختار أميركا، مثل الاتحاد الأوروبي، ضخ المال العام في الصناعة أكثر من تنظيم الآخرين.
الخروج من عالم القوى الكبرى
ما نتيجة الحماسة التنظيمية لدى القوى الكبرى؟ سعت أوروبا إلى توفير إطار عالمي للمنافع العامة العابرة للحدود، فأثارت رد فعل معاكسا ضد سياسات المناخ والبيانات، إذ تراها دول كثيرة ضرائب رفاهية في زمن تضيق فيه هوامش الربح وتشتد المنافسة. واستخدمت الصين موقعها أرضية للموارد والإنتاج من أجل تقويض صناعات عالمية وخلق تبعيات حرجة لموادها الخام. غير أن استغلال الاختلالات العالمية رافعة تفاوضية لا يضيف عنصر استقرار إلى الاقتصاد العالمي. إساءة استخدام قواعد التجارة تبطئ النمو العالمي على الجميع، وهذا درس ربما تعلمه سياسة الرسوم الجمركية للولايات المتحدة أيضًا. ثمة عتبة ألم يقبلها الشركاء التجاريون قبل أن يردوا.
ترى القراءة المتشائمة أن تراجع المحددات التنظيمية والاقتصادية للقوة سيعيد التدخل العسكري إلى صدر المسرح. فأنصار العقوبات المالية كانوا يعرفون دائما أنهم يصممون بدائل للحرب، أملًا في فتح نافذة دبلوماسية أو دفع نظام ما إلى الإذعان. في حالتي فنزويلا وإيران، انتهت عقود من العقوبات إلى تدخل عسكري. كانت الحوافز والعقوبات المالية والاقتصادية الخيار الأقل خطرا، حربا بلا دم، لكن تعقيد الاقتصاد العالمي جعلها غير فعالة بما يكفي — على الأقل في تقدير القيادة الأميركية — لمنع اللجوء إلى القوة المسلحة.
أما التفاؤل الأطول نفسا فيقول إن الإمبريالية التنظيمية للقوى الكبرى، ما دامت عامل زعزعة للنمو العالمي، ستدفع كثيرين إلى الانقلاب عليها. أي إن عالما تحكمه العقوبات والرسوم سيمثل مرحلة انتقالية لدى القوى الكبرى، حتى الولايات المتحدة. وحين تستنفد أكبر الاقتصادات في العالم هامش قدرتها على حمل الآخرين أو إكراههم بوسائل اقتصادية، ستظهر قواعد جديدة للسلوك الاقتصادي بين مجموعة أكثر تنوعا من الفاعلين. وكثيرا ما تذكر نغوزي أوكونجو-إيويالا، المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، منتقدي منظمتها بأن أكثر من %70 من التجارة العالمية ما زالت تجري وفق قواعد الدولة الأولى بالرعاية.
كيف سيبدو ذلك؟ ستركز الاتفاقات التجارية على أمن الإمداد والصناعات الاستراتيجية، وستكون أضيق نطاقا. وعلى المحتفين بتنفيذ اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركوسور أن يسألوا إن كانت عقود التفاوض تستحق كلفة الفرص التي ضاعت بإهمال ترتيبات أصغر وأكثر تفصيلًا، تعكس تعقيد البيئة التجارية العالمية الحالية. أندية المعادن الحرجة تجسيد واضح لهذا الاتجاه. لم يمت نقل سلاسل الإمداد إلى الدول الصديقة مع إدارة بايدن، وحده تعريف الصديق لم يعد مطابقا بالضرورة للتحالفات العسكرية أو البنى السياسية. ما زالت مخططات فن صورة ذهنية مناسبة: الفائز في لعبة التجارة ليس الدائرة الكبرى على الأطراف، وإنما نقاط التقاطع الصغيرة في المركز، الاقتصادات الأكثر رشاقة.
مع التقدم الصناعي والتقني الهائل، لا يمكن أن تبقى التنافسية معركة هوامش قانونية بين تكنوقراط مدربين في مراكز القوة الاقتصادية. يجب أن تُبنى في الداخل أيضا. لسنوات، دافعت عن فكرة أن واجهة ميزان القوة الدولي تقع في التنظيم، وكان الأمر يبدو كذلك فعلا من منظور تكنوقراطية محاصرة خرجت من إدارة ترامب الأولى. غير أن الأدوات صارت مفرطة في الابتكار إلى درجة تستحيل معها الاستدامة، ثم جاء ترامب فأصاب مصداقيتها بضربة خشنة.
مع اكتساب القوى المتوسطة ميزة نسبية، يصبح مفهوما أن تتجه إلى التحرير بينما تضاعف القوى الكبرى رهانها على السياسة الصناعية. الإدارة الأميركية الحالية تضغط رأس المال الخاص باتجاه شراكات بين القطاعين العام والخاص، وتطالب بحصص في شركات مفضلة: رأسمالية دولة بخصائص صينية. والصين بدورها، لن تتزحزح عن سياسة بيع العالم بأقل من السعر العادل، لأنها عاجزة عن تحفيز طلب داخلي كاف. أما الاتحاد الأوروبي، فيتبنى آليات أوسع للاقتراض المشترك وإصلاح رأس المال، بدل إصدار تنظيمات جديدة. إساءة القوى الكبرى استخدام الترابط العالمي تعني أننا ربما نغادر، في المحصلة، عالم القوى الكبرى.
جوليا فريدلاندر هي الرئيسة التنفيذية لمنظمة «أتلانتيك-بروكه»، وهي جمعية شبكات مهنية تعمل على تعزيز الروابط بين ألمانيا وأميركا الشمالية. سبق لها أن عملت في وزارة الخزانة الأميركية ومجلس الأمن القومي في البيت الأبيض.
