يرى ميغيل فيرير أن اضطراب البيئة الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة يمنح الاتحاد الأوروبي فرصة نادرة لاجتذاب شركات التكنولوجيا الناشئة. فالتقلبات الجمركية، وتسييس القرارات الاستثمارية، والضغط على الهيئات المستقلة، والقيود المفروضة على الباحثين الأجانب بدأت تضعف أهم ميزة أمريكية: القدرة على توفير بيئة أعمال مستقرة وقابلة للتوقع. ويمكن لأوروبا أن تقدم بديلًا يقوم على سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، ووضوح القواعد.
التحدي الأوروبي لا يتمثل في تأسيس الشركات الناشئة، إذ تشهد أوروبا سنويًا ظهور عدد كبير من الشركات الجديدة وتتمتع بقدرات متقدمة في التكنولوجيا الكمية والمناخية والحيوية، إضافة إلى انخفاض تكلفة المواهب مقارنة بوادي السيليكون. مع ذلك، تواجه هذه الشركات عقبات غير مرئية عند محاولة التوسع.
انقسام السوق الأوروبية إلى 27 نظامًا قانونيًا وضريبيًا وتنظيميًا يحد من نمو الشركات. ضعف أسواق رأس المال، وعزوف صناديق التقاعد والمؤسسات الأوروبية عن الاستثمار في رأس المال المغامر، والميل المؤسسي لتجنب المخاطر، تدفع الشركات الأوروبية في مراحل النمو إلى البحث عن تمويل أجنبي، خاصة من الولايات المتحدة. نتيجة لذلك، تواجه الشركات ضغوطًا للانتقال إلى أمريكا، فتخسر أوروبا الشركات والوظائف والتقنيات عند نضجها.
يمقترح فيريرإنشاء كيان قانوني أوروبي موحد باسم «EU Inc.» أو «النظام الثامن والعشرين»، يتيح للشركات العمل في السوق الموحدة وفق مجموعة واحدة من القواعد بدلاً من التعامل مع 27 نظامًا وطنيًا. سيكون هذا الكيان اختياريًا ومعترفًا به تلقائيًا في جميع الدول الأعضاء، ورقميًا بالكامل، ويشمل قوانين الشركات والضرائب والإفلاس والعمل.
نجاح المشروع يتطلب أكثر من إصدار قانون جديد، إذ يجب ربطه باتحاد أسواق رأس المال، وقانون الابتكار الأوروبي، وسياسات دعم الشركات الناشئة، وتحديث قواعد الاندماج والاستحواذ. كما أن توفير التمويل الأوروبي لنقل الابتكارات من المختبر إلى السوق يظل ضروريًا، من خلال مجلس الابتكار الأوروبي، وبنك الاستثمار الأوروبي، والبنية التحتية العلمية مثل مصانع الذكاء الاصطناعي والحوسبة الأوروبية فائقة الأداء.
يكمن الخطر في محاولة الحكومات الوطنية تخفيف المشروع لحماية أنظمتها المحلية. فمثلاً، تصر ألمانيا على نظام مشاركة العمال في إدارة الشركات، وتدافع فرنسا عن سياسة الأبطال الوطنيين، بينما تحافظ دول الشمال على الامتيازات الضريبية لخيارات الأسهم. تحويل المشروع من لائحة أوروبية ملزمة إلى توجيه تنفذه كل دولة بطريقتها سيعيد إنتاج التجزئة التي يسعى المشروع لمعالجتها.
الإبقاء على المشروع كلائحة موحدة لا يلغي القوانين الوطنية، بل يضيف خيارًا قانونيًا أوروبيًا للشركات. كما أن معالجة الفوارق الضريبية ضرورية حتى لا تصبح دول مثل إيرلندا أو لوكسمبورغ أو هولندا ملاذات لتسجيل الشركات.
يستند الكاتب إلى تجربتي إيرباص وغاليليو، حيث تجاوزت الدول الأوروبية في كلتا الحالتين تشتت الجهود الوطنية من خلال إطار قانوني مشترك، وتمويل عام موحد، وسوق قارية واسعة. وقد مكّن ذلك أوروبا من منافسة الولايات المتحدة في الطيران التجاري وبناء منظومة مستقلة للملاحة عبر الأقمار الصناعية.
لا تعاني أوروبا من نقص في البحث العلمي أو المواهب أو تأسيس الشركات، بل من صعوبة تحويل هذه الموارد إلى شركات كبرى مستقرة داخل القارة. تمثل «EU Inc.» محاولة لتحويل السوق الموحدة من إطار تنظيمي إلى بنية عملية لنمو الشركات. نجاح المشروع قد يشكل أهم إصلاح عملي للسوق الأوروبية منذ عقود، وخطوة نحو سيادة تكنولوجية واقتصادية أوروبية. أما إذا أُفرغ المشروع من محتواه بسبب المصالح الوطنية، فستستمر أوروبا في تمويل الابتكار الذي ينتقل لاحقًا إلى شركات أمريكية.

