رهان كييف: تحويل الزمن من حليف لموسكو إلى عبء عليها
تهدف خطة زيلينسكي للأربعين يوماً إلى فرض شرط سياسي على الحرب من خلال رفع كلفة استمرارها على روسيا إلى مستوى يتجاوز كلفة الجمود، وتجريد موسكو من القدرة على استثمار تفوقها العددي والصناعي كورقة تفاوضية مريحة.
الخطة لا تعد بحسم عسكري، إذ تفتقر أوكرانيا إلى الكثافة السكانية والعمق الجغرافي والقدرة على امتصاص الخسائر مقارنة بروسيا. تراهن كييف على كسر معادلة الكرملين التي يعتبر فيها الزمن لصالح موسكو، والغرب يزداد إرهاقاً، والمجتمع الروسي يتكيف، والجبهة تتحرك ببطء دون تكلفة سياسية داخلية. الهدف هو قلب هذه المعادلة، بحيث تدخل روسيا أي مسار تفاوضي وهي أقل ثقة بأن الزمن يعمل لصالحها.
تركز الحملة على اقتصاد الحرب وليس الاقتصاد الروسي بالكامل. كييف غير قادرة على شل الدولة الروسية، لكنها تستهدف الروابط التي تتيح لموسكو إطالة أمد الحرب، مثل الوقود، والتكرير، والتخزين، والضخ، والنقل، والمصانع العسكرية، والموانئ، والجسور التي تربط العمق بالجبهة أو بالقرم.
استهداف المصافي يتجاوز مجرد ضرب منشآت الطاقة، فالمصفاة تمثل نقطة التحويل من النفط الخام إلى وقود قابل للاستخدام. روسيا تبيع النفط الخام، لكن جيشها وشاحناتها وطائراتها تعتمد على الوقود المكرر. الضربات تؤثر على قدرة روسيا في تحويل النفط إلى قوة عسكرية واستقرار داخلي. وتكمن أهمية ضربة محطة “فتوروفو” في فلاديمير في موقعها ضمن شبكة نقل المنتجات النفطية، وليس في حجمها فقط. ووفق الرواية الأوكرانية، تضخ المحطة منتجات إلى مستهلكين داخل روسيا ومسارات تصدير، وترتبط بإمداد منطقة موسكو.
في الحروب الطويلة، تعتبر الشبكات أكثر أهمية من المخزون. تعطيل نقطة واحدة لا يوقف الدولة، لكنه يربك التوزيع ويفرض طرقاً بديلة أبطأ وأكثر تكلفة وانكشافاً.
منذ نهاية الربيع، نفذت أوكرانيا أكثر من خمسين هجوماً على مصافي ومنشآت تخزين النفط. تراجعت معالجة الخام بنسبة 25% سنوياً، وانخفض إنتاج البنزين بنسبة 17%. أزمة الوقود في روسيا أضعفت ادعاء الكرملين بأن الحرب لا تؤثر على الحياة اليومية للمواطنين.
الصناعة العسكرية تمثل هدفاً مباشراً. أصابت الصواريخ الأوكرانية مصنعاً عسكرياً كبيراً في فولغوغراد ينتج أنظمة مدفعية ومكونات لمنظومات إطلاق الصواريخ، بما في ذلك معدات لمنظومة Iskander-M التي تستهدف المدن الأوكرانية. تسعى كييف إلى نقل العمق الصناعي الروسي، الذي يغذي الضغط على مدنها، إلى ساحة الحرب نفسها.
إرغام روسيا على إعادة توزيع دفاعاتها يمثل هدفاً آخر. كل ضربة في العمق تفرض تساؤلات حول أولوية الحماية: موسكو، المصافي، القرم، المطارات، مصانع السلاح، الموانئ، أم الجبهة؟ لا توجد دولة قادرة على حماية جميع منشآتها الحيوية في وقت واحد. اتساع قائمة الأهداف يزيد كلفة الحماية حتى دون دمار كبير. لا تقاس الضربة فقط بما دمرته، بل أيضاً بما تفرضه من أعباء حماية لاحقة. كل منشأة تتحول إلى هدف محتمل تحتاج إلى دفاع جوي وأمن داخلي وفرق إصلاح وتغطية إعلامية وتبرير سياسي. الحملة الناجحة تدفع الخصم إلى تحمل كلفة حماية منشآت عديدة في آن واحد.
يمثل القرم هدفاً عسكرياً ورمزياً. استعادته بعملية برية واسعة حالياً مكلف للغاية، لكن تحويله من منصة روسية آمنة إلى عبء مكلف أمر ممكن. القرم يعد أحد أعمدة شرعية بوتين منذ 2014. أزمة الوقود، وتعطيل الجسور والطرق، وضرب البنية العسكرية هناك تضعف صورة “الضم النهائي” الذي لا رجعة فيه. عندما يتحول القرم إلى منطقة تحتاج إلى إنقاذ دائم بدلاً من أن يكون قاعدة لإدارة الحرب، تتآكل الشرعية السياسية بوسائل عسكرية. هذا الأثر قد لا يظهر فوراً على الخرائط، لكنه يدخل في حسابات الكرملين.
أخيراً، تستهدف الحملة أيضاً واشنطن والعواصم الأوروبية إلى جانب موسكو. الدعم العسكري لا يمثل تمويلاً للصمود فقط، بل استثماراً في قدرة كييف على تغيير معادلة الاستنزاف. كل ضربة في العمق الروسي تؤكد أن أوكرانيا لا تنتظر الإنقاذ، بل تبني قدرتها على نقل الضغط إلى البنية التي تتيح لروسيا إطالة أمد الحرب.
تؤثر الضربات على روسيا دون أن تؤدي إلى انهيارها. الاقتصاد الحربي متوتر لكنه لم ينهار. الدولة قادرة على تحويل الألم الاجتماعي إلى صمت أو تذمر غير مؤثر أو دعاية تعبئة. الكرملين لا يحتاج إلى رضا شعبي لمواصلة الحرب، بل يكفيه منع التذمر من التحول إلى تنظيم سياسي.
يعتمد نجاح الخطة على تحويل الاختراقات إلى نمط متكرر يفقد العمق الروسي قيمته النفسية والعسكرية. ضربة واحدة تصنع خبراً، أما الضربات المتكررة فتخلق مشكلات إدارية واقتصادية. استهداف المصافي ومحطات الضخ والموانئ ومصانع السلاح والطرق والجسور يعيق التعافي السريع. في حرب الاستنزاف، يصبح الإصلاح نفسه جزءاً من الاستنزاف. كل ضرر تسببه الضربات الأوكرانية يتطلب موارد وزمناً لإصلاحه، وأحياناً مكونات يصعب توفيرها بسبب العقوبات.
من المرجح أن يعتبر بوتين الحملة سبباً للتصعيد وليس للتراجع، من خلال امتصاص الضربات، وزيادة كلفة أوكرانيا، وتوسيع الإنتاج الدفاعي، وانتظار لحظة انهيار الدعم الغربي. إذا أصبحت الحملة نمطاً متكرراً، سيواجه واقعاً جديداً حيث تفرض الحرب نفسها بقوة على الحياة اليومية للمجتمع الروسي.لى حياته اليومية.
تصريحات بوتين الاخيرة تؤكد أن موسكو حتى الأن لا تعرض تسوية توقف الحرب عند خط تماس قابل للتفاوض، بل تؤكد أن شروطها لم تتغير منذ 2024: انسحاب أوكرانيا من دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، والتخلي عن طموح الانضمام إلى الناتو. بوتين لا يطرح التفاوض كبحث عن تسوية، بل كطريق لانتزاع اعتراف بنتائج الحرب أو بما تعجز روسيا عن انتزاعه كاملًا في الميدان.
حملة الأربعين يوماً ليست بديلاً عن الدبلوماسية، بل محاولة لتغيير شروط الدخول إليها. كييف لا تسعى لإقناع موسكو بأن السلام مرغوب، بل لجعل شروطها القصوى قابلة للتفاوض.
استمرار التقدم البطيء، وامتصاص العقوبات، وحماية العمق الصناعي والطاقوي يمنح روسيا سبباً للتمسك بمطالبها. استهداف الوقود والمصانع والموانئ والقرم ومناطق كانت تعد آمنة يفرض ميزان كلفة جديد.
الحملة ليست وصفة للانتصار، بل محاولة لتحريك حرب عالقة من داخل منطقها وتحويل الزمن من حليف إلى عبء.
