الحرب الباردة الجديدة
كيف يعيد G7 هندسة سلاسل توريد المعادن الحرجة
لم تعد المعادن الحرجة مجرد عنصر تقني في اقتصاد الطاقة النظيفة أو بندًا ثانويًا في تقارير الصناعة، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من القوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. السيطرة على الليثيوم والنيكل والكوبالت والغرافيت والأتربة النادرة يمتلك مفاتيح بطاريات السيارات الكهربائية، وبنية الذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية، والروبوتات، وشبكات الكهرباء، ومراكز البيانات، وسلاسل التصنيع في الاقتصادات المتقدمة.
يحمل إعلان مجموعة السبع عن تحالف ومنصة أزمات للمعادن الحرجة، الذي كشفت عنه وكالة «رويترز» استنادًا إلى مسودة البيان الختامي لقمة يونيو/حزيران 2026، أهمية تتجاوز اللغة البيروقراطية المعتادة. تهدف المبادرة إلى خفض الاعتماد على أي مورد واحد خارج مجموعة السبع والدول الشريكة في الأتربة النادرة والمغناطيسات الدائمة إلى أقل من 60% بحلول عام 2030، مع بدء الآليات التجريبية المنسقة بالليثيوم والنيكل قبل التوسع إلى معادن أخرى. الأهم أنها تعكس تحولًا في التفكير الغربي من الاكتفاء بتنويع الإمدادات إلى بناء أدوات عملية تشمل تنسيق المخزونات، وتطوير أنظمة إنذار مبكر، وتتبع منشأ المعادن، وتمويل مشاريع البنية التحتية والتكرير والمعالجة.
جوهر المشكلة لا يكمن في امتلاك الصين للمناجم فقط، بل في سيطرتها على سلسلة القيمة التي تمنح المعادن أهميتها الاستراتيجية. المسألة ليست في من يملك المناجم، بل في من يحولها إلى منتجات نهائية مثل البطاريات والمغناطيسات والرقائق والأنظمة الدفاعية. في هذا المجال، تفوقت الصين في المصافي والمعالجة والمغناطيسات الدائمة وسلاسل القيمة المتكاملة من المنجم إلى المصنع.
تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تتصدر عمليات تكرير معظم المعادن الاستراتيجية بحصة متوسطة تقارب 70%، وتصل هيمنتها في بعض الحلقات الحساسة إلى مستويات شبه احتكارية، خاصة في فصل وتكرير الأتربة النادرة، ومعالجة الغرافيت المستخدم في البطاريات، وتصنيع المغناطيسات الدائمة. لم تحقق الصين هذه السيطرة من خلال امتلاك المناجم فقط، بل عبر استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية، والموانئ، والسكك الحديدية، والتكرير، والتصنيع، وتحويل المواد الخام إلى مدخلات صناعية أساسية.
بينما كان الغرب يحتفي بعولمة منخفضة الكلفة وعالية الكفاءة، بنت بكين منظومة تجعل الآخرين يعتمدون عليها. لذلك يحتاج الغرب اليوم إلى أكثر من مناجم جديدة؛ فهو بحاجة إلى مصافٍ، وموانئ، وطاقة، وتمويل، وعقود شراء طويلة الأجل، وتأمين سياسي، وقدرة على تحمل كلفة بناء سلاسل توريد بديلة.
تتمثل أهمية مبادرة مجموعة السبع في اعترافها الضمني بأن السوق وحده غير كافٍ لحل المشكلة. فمشاريع التعدين والتكرير في إفريقيا أو أميركا اللاتينية أو آسيا الوسطى تتطلب عقود شراء، وضمانات ائتمان، وتأمينًا ضد المخاطر السياسية، وبنية تحتية، وطاقة رخيصة، ووضوحًا تنظيميًا. من دون هذه العناصر، ستظل المبادرة مجرد تكرار لمفاهيم تعزيز المرونة دون أثر فعلي.
لن يتمكن الغرب من منافسة الصين في إفريقيا إذا قدم لتلك الدول نموذجًا تقليديًا للاستخراج القائم على الاستغلال المقنع. لم تعد الكونغو وزامبيا وأنغولا تقبل أن تبقى مجرد مصدر للمواد الخام بينما تنتقل القيمة الصناعية إلى الخارج. هذه الدول تطالب بالمعالجة المحلية، والكهرباء، والتدريب، والوظائف، ونصيب أكبر من القيمة المضافة. هذا ليس مجرد طموح أو رومانسية تنموية ، بل شرط سياسي لبناء سلسلة توريد مستدامة.
في هذا السياق، تعد مشاريع مثل ممر لوبيتو اختبارًا حقيقيًا لقدرة الغرب على تحويل البنية التحتية إلى أداة استراتيجية. ربط مناطق النحاس والكوبالت في وسط إفريقيا بميناء أطلسي لا يحقق قيمة استراتيجية إذا اقتصر على تصدير المواد الخام. تتحقق القيمة الحقيقية عندما يرتبط الممر باتفاقات تصنيع ومعالجة وتدريب ومعايير تتبع، ليصبح جزءًا من سلسلة توريد بديلة وليس مجرد طريق شحن.
لا تقتصر استراتيجية الصين على الاستثمار والتصدير، بل تشمل أيضًا استخدام التنظيم القانوني كأداة قوة. المنافسة اليوم تدور حول القواعد التي تحكم حركة البيانات والتقنيات والمواد الاستراتيجية، وليس فقط المناجم والمصانع. ظهر ذلك بوضوح عندما فرضت بكين في يوليو/تموز 2023 قيودًا على تصدير الغاليوم والجرمانيوم عبر نظام تراخيص بدأ في أغسطس/آب من العام نفسه. لم يكن القرار تجاريًا فقط، بل رسالة واضحة بأن السيطرة على حلقة معينة من سلسلة التوريد يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط جيوسياسية.
نتيجة لذلك، أصبحت شركات التكنولوجيا الغربية تقيم مورديها وخططها الاستثمارية بناءً على المخاطر القانونية والجيوسياسية، وليس الأسعار والكفاءة فقط. لم يعد الاختيار بين مورد صيني وآخر غير صيني، بل بين أنظمة سياسية وقانونية متشابكة؛ حيث تدفع واشنطن نحو تقليل المخاطر، وتفرض بروكسل متطلبات الإفصاح والامتثال، بينما قد تعتبر بكين تقليص الاعتماد عليها خطوة عدائية.
المفارقة أن الغرب يحتاج إلى القطاع الخاص لتنفيذ مشروع فك الاعتماد، لكنه لا يستطيع الاعتماد على منطق السوق التقليدي وحده. تسعى الشركات إلى خفض التكاليف وتعزيز الاستقرار، بينما تركز الدول على المرونة والسيادة الصناعية. لذلك، يتطلب نجاح المبادرة بناء جسر مؤسسي بين الطرفين يشمل ضمانات ائتمان، وعقود شراء حكومية، ومخزونات استراتيجية، ودعم التكرير المحلي، وتأمينًا سياسيًا، وتنسيقًا فعالًا بين الحلفاء.
هذه هي الكلفة التي ظل الغرب يتجنبها. يسعى لتقليل الاعتماد على الصين، لكنه يتردد في دعم الصناعة. يطالب بسلاسل توريد أخلاقية، لكنه لا يرغب في دفع أسعار أعلى. يبحث عن شراكات مع إفريقيا، لكنه يتراجع عندما تطالب الدول الإفريقية بالتصنيع المحلي. اعتمد النموذج الاقتصادي الغربي لعقود على افتراض أن المخزون هدر، والتكرار غير كفء، والاعتماد على مورد واحد ميزة سعرية.
لقد انتهت تلك البراءة، إن كانت موجودة أصلًا.
تكشف المعادن الحرجة أن العولمة مستمرة، لكنها لم تعد عولمة الكفاءة الرخيصة. لم يعد السؤال من ينتج بأقل تكلفة، بل من يمكن الاعتماد عليه في الأزمات. لذلك، تنتقل سلاسل التوريد من منطق «في الوقت المناسب» إلى «في كل وقت»، ومن السوق المحايدة إلى السوق المحمية سياسيًا.
لهذا السبب، لا يمكن اختزال مبادرة مجموعة السبع في سياسة صناعية فقط، فهي جزء من إعادة تعريف القوة في القرن الحادي والعشرين. لم تعد القوة تقتصر على حاملات الطائرات أو احتياطي الدولار، بل تشمل أيضًا قدرة دولة على تعطيل مصنع سيارات في أوروبا من خلال تقييد مغناطيس دائم، أو إبطاء الإنتاج الدفاعي عبر التحكم في معدن صغير، أو إجبار شركة على كشف خريطة مورديها بسبب الحاجة إلى ترخيص تصدير.
لن تُحسم معركة المعادن الحرجة في قمة أو بيان أو منصة إنذار مبكر، بل في القدرة على تمويل مشاريع بطيئة ومكلفة مثل المصافي، والسكك الحديدية، ومحطات الطاقة، والموانئ، ومصانع المغناطيس، وعقود الشراء، ومختبرات التتبع، والمدارس التقنية، والاتفاقات التجارية المستقرة.
هذه هي الحرب الباردة الجديدة، التي لا تبدأ من برلين أو كوبا، بل من مصفاة نيكل، ومنجم كوبالت، وميناء إفريقي، ورخصة تصدير صينية، ومصنع مغناطيس بعيد عن الأضواء. من يظن أن هذه تفاصيل صناعية مملة لم يدرك أن الإمبراطوريات الحديثة تُبنى في هذه التفاصيل.

