اليسار البرهمي ويمين التجار: تحول السياسة إلى صراع بين النخب بدلًا من الطبقات الاجتماعية
لم يعد الانقسام السياسي في الديمقراطيات الغربية يُفسر بالصورة التقليدية التي تضع العمال والفئات الشعبية في اليسار، وأصحاب الثروة والأعمال في اليمين. ورغم استمرار هذه الصورة جزئيًا، إلا أنها لم تعد كافية لتفسير التحولات السياسية الحالية. لذلك، يقدم توماس بكيتي تحليله لمفهومي «اليسار البرهمي» و«يمين التجار».
تظهر هذه الثنائيات بوضوح في عدة أحزاب وتيارات سياسية معاصرة. فالحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة يمثل «اليسار البرهمي» بدعمه المتزايد من المتعلمين في المدن الكبرى والأكاديميين والمهنيين. في المقابل، يجسد الحزب الجمهوري العديد من خصائص «يمين التجار» لاعتماده على دعم أصحاب الأعمال والطبقات الثرية، إضافة إلى خطاب هوياتي يجذب بعض الطبقات الشعبية. كما يظهر هذا الانقسام في دول أخرى مثل فرنسا، حيث يجذب حزب الجمهورية إلى الأمام النخب المتعلمة، بينما يستقطب حزب الجمهوريين أو التيارات اليمينية الشعبوية شرائح أكبر من الطبقات الريفية والشعبية من خلال قضايا الهوية والاقتصاد التقليدي.
يشير بكيتي إلى أن السياسة الغربية شهدت منذ منتصف القرن العشرين تحولًا اجتماعيًا عميقًا. ففي الخمسينيات والستينيات، كان التصويت للأحزاب اليسارية يرتبط بشكل أكبر بالفئات الأقل تعليمًا والأدنى دخلًا، مما جعل اليسار يُعتبر ممثلًا للعمال والنقابات والطبقات الشعبية. في المقابل، كان اليمين أكثر ارتباطًا بأصحاب الثروة ورجال الأعمال والفئات الأعلى دخلًا.
شهد هذا الاصطفاف تغيرًا تدريجيًا، إذ أصبحت الفئات الأعلى تعليمًا تميل أكثر إلى التصويت للأحزاب اليسارية، بينما بقيت الفئات الأكثر ثراءً أقرب إلى اليمين. بناءً على ذلك، صاغ بكيتي ثنائية «اليسار البرهمي» (Brahmin Left) و«يمين التجار» (Merchant Right).
مصطلح «برهمي» هنا لا يحمل دلالة دينية، بل يُستخدم كاستعارة للفئات التي تستمد مكانتها من التعليم والمعرفة والخبرة والرأسمال الثقافي. يشمل ذلك الأكاديميين والمهنيين والخبراء والصحفيين وسكان المدن الكبرى، وغالبًا ما يتبنون قضايا البيئة وحقوق الأقليات والتنوع والانفتاح والعولمة الليبرالية.
يرتبط «يمين التجار» بالثروة والملكية والنفوذ الاقتصادي، ويشمل أصحاب الشركات والمستثمرين وكبار الملاك والمستفيدين من السياسات الداعمة لرأس المال وخفض الضرائب. وتعتمد قوته بشكل أساسي على الموارد الاقتصادية أكثر من المكانة التعليمية أو الثقافية.
تكمن أهمية تحليل بكيتي في كشفه عن فجوة تمثيلية متزايدة في الديمقراطيات الغربية. تشير بيانات بكيتي وزملائه إلى أنه في فرنسا بين 1956 و1967، حصلت الأحزاب اليسارية على أكثر من 60% من أصوات الأقل تعليمًا، بينما انخفضت هذه النسبة إلى أقل من 40% في انتخابات 2012-2017، مع تحول دعم هذه الفئة نحو أحزاب يمينية أو خارج الطيف التقليدي (Piketty et al., 2022). عندما يمثل اليسار النخب التعليمية واليمين النخب الاقتصادية، تجد قطاعات واسعة من الطبقات الشعبية نفسها خارج التمثيل السياسي الفعّال، بما في ذلك العمال والموظفون ذوو الأوضاع الهشة وسكان المناطق الطرفية والفئات الأقل تعليمًا والمتضررون من العولمة.
في هذا السياق، يفسر بكيتي صعود الشعبوية اليمينية. مع انتقال جزء كبير من قاعدة اليسار إلى الفئات الأعلى تعليمًا، أصبح اليسار يتبنى خطاب التعليم والبيئة والتنوع وحقوق الأقليات والانفتاح والعولمة والجدارة. رغم أهمية هذه القضايا، قد تُعتبر من منظور العمال والطبقات الريفية والأقل تعليمًا لغة طبقة متعلمة تنظر إليهم من موقع أعلى. تظهر هنا الفجوة: يعلن اليسار تمثيله للعدالة، بينما تبدو قاعدته الاجتماعية ومفرداته ومؤسساته أقرب إلى المتعلمين الحضريين منها إلى الطبقات الشعبية التي كان يمثلها تاريخيًا.
يدافع يمين التجار أساسًا عن مصالح الثروة والسوق، لكنه ينجح أحيانًا في مخاطبة الطبقات الشعبية عبر خطاب الهوية، والأمة، والحدود، والأمن، والهجرة، والدين، أو معاداة النخب الثقافية. المفارقة أن اليمين يخدم اقتصاديًا مصالح الفئات الثرية، لكنه ثقافيًا قد يبدو أقرب إلى مشاعر الغضب لدى الفئات الأقل تعليمًا، مما يفسر جزئيًا صعود الشعبوية اليمينية.
غالبًا ما تخدم السياسات الاقتصادية لليمين مصالح الفئات الثرية، لكنه ينجح أحيانًا في استقطاب الطبقات الشعبية عبر الخطاب الثقافي والهوياتي. في المقابل، ينشغل اليسار بقضايا ثقافية وأخلاقية مهمة، لكنه أحيانًا يفشل في ربطها بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية اليومية.
تكمن إشكالية «اليسار البرهمي» ليس في اهتمامه بقضايا البيئة أو الحقوق أو المساواة الثقافية، بل في احتمال انفصال هذه القضايا عن قضايا الدخل والعمل والسكن والضرائب والعدالة الاقتصادية. عندما يحدث هذا الانفصال، يفقد اليسار جزءًا من قدرته على بناء تحالف اجتماعي واسع يضم الفئات الشعبية التي شكلت قاعدته الأساسية تاريخيًا.
في الختام، لا يطرح بكيتي أطروحته كانتقاد لليسار، بل كدعوة لإعادة التفكير في طبيعة التمثيل السياسي. التحدي الحالي يتجاوز الصراع التقليدي بين اليسار واليمين ليشمل العلاقة بين النخب التعليمية والنخب الاقتصادية، ومدى قدرة الديمقراطيات على إعادة دمج الطبقات الشعبية في العملية السياسية. السؤال الجوهري، من وجهة نظره، هو من يستطيع بناء مشروع سياسي يجمع بين العدالة الاقتصادية والتمثيل الديمقراطي الواسع، وليس فقط من يمتلك الخطاب الأكثر جاذبية.
ومن أبرز تداعيات هذا الإطار أن السياسة أصبحت أكثر حصرًا في دوائر النخب، مما يضعف صوت الفئات الأقل تمثيلًا ويؤثر على سياسات العدالة الامن أبرز تداعيات هذا الإطار أن السياسة أصبحت أكثر حصرًا في دوائر النخب، مما يضعف صوت الفئات الأقل تمثيلًا ويؤثر على سياسات العدالة الاقتصادية وتوزيع الموارد. تشير بعض الدراسات إلى أن ضعف التمثيل الشعبي قد يزيد الاستقطاب السياسي ويرفع مستويات عدم الثقة في الديمقراطيات الغربية. هناك أيضًا انتقادات لهذا المفهوم، إذ يرى البعض أن تصنيف “اليسار البرهمي” و”يمين التجار” يبسط الواقع السياسي ويغفل تعقيد الائتلافات الاجتماعية داخل الأحزاب، إضافة إلى تجاهل العوامل التاريخية والثقافية المؤثرة في التصويت. كما يُطرح تساؤل حول قدرة هذا النموذج على تفسير ديناميات السياسة في دول غير غربية أو في مراحل زمنية مختلفة. من هنا تبرز أهمية النظر النقدي للأطر التحليلية ومتابعة تأثيرها على السياسات العامة ومستقبل الديمقراطية.
يستند هذا المقال إلى ورقة توماس بكيتي الأصلية لعام 2018 حول التحولات الاجتماعية والسياسية في الديمقراطيات الغربية، وإلى دراسة موسعة أعدها مع أميل غيثان وكلارا مارتينيز-توليدانو ونشرت في Quarterly Journal of Economics. توسع هذه الدراسة التحليل ليشمل بيانات انتخابية واجتماعية من إحدى وعشرين ديمقراطية غربية. يستعرض المقال الأفكار والنتائج الأساسية الواردة في هذين العملين.
