روسيا لا تبحث عن سلام
لماذا لم تنضج شروط التفاوض في حرب اوكرانيا؟
يُقال إن الحرب بلغت ذروتها، وإن التفاوض غدا المخرج العقلاني الوحيد. روسيا تحت ضغط متزايد، وأوكرانيا صامدة، والغرب متعب. جميع المؤشرات تتجه إلى أن التسوية باتت حتمية لإنهاء الاستنزاف. غير أن هذا القول يختزل المشهد ليحجبه. ما يجري ليس اقتراباً من سلام، بل إعادة تعريف لشروطه وحدوده. روسيا تضرب مدن الداخل الأوكراني لتبقي الحرب خارج تخومها، وأوكرانيا تضرب المصافي لتدخلها إلى العمق الروسي.
غادرت الحرب مبكراً منطق الحسم السريع إلى منطق الاحتمال والاستنزاف. تبدل الهدف من تحقيق النصر إلى تحمل كلفة سنة أخرى ثم سنة بعدها. تراهن روسيا على تفوقها الكمي في السكان، والتصنيع العسكري، والزمن، وإرهاق الغرب، وتعثر التعبئة في أوكرانيا. وأوكرانيا، إذ يصعب عليها طرد روسيا، تستطيع ما هو أخطر: أن تمنعها من ترجمة تفوقها الكمي إلى نصر سياسي. أما الغرب، فلم يعد طرفاً خارجياً يمد ويدعم، بل أصبح ضلعاً في بنية الاستنزاف نفسها، عبر الدعم العسكري والعقوبات والتمويل، والتماسك السياسي الذي يتآكل تحت وطأة الانتظار. لا يولد التفاوض في حرب كهذه من تعب الطرفين، بل من اللحظة التي يقتنع فيها أحدهما أن بقاءه في الحرب أكثر كلفة من تنازله عنها.
هنا يتبدى الخلط الشائع بين الضغط والانكسار. بلا شك، روسيا تتألم. ضربات المصافي تكسر سردية الحرب البعيدة، وأزمات الوقود والأسعار تدفع الحرب إلى البيت الروسي. الاقتصاد العسكري يرزح تحت تضخم وإنفاق متضخم ونقص عمالة وضغط على التصدير. غير أن الألم شيء وتبدل الحسابات شيء آخر. النظام الروسي مصمم لاحتمال الألم الاجتماعي أكثر مما تحتمله الأنظمة التي تستمد شرعيتها من موافقة شعبية يومية. فهو ينقل الكلفة، ويقمع الشكوى، ويعيد توزيع الموارد، ويخفض معايير المعيشة، دون أن يتحول ذلك تلقائياً إلى أزمة حكم. ما يزعزع روسيا لا يكفي بالضرورة لإجبار بوتين على تغيير سياساته. وما يوجع المجتمع لا يتحول تلقائياً إلى قرار سياسي داخل نظام مغلق.
استهداف المدن ليس انحرافاً عن الحرب، بل صميم المنطق الروسي. لا تضغط موسكو على الجيش الأوكراني وحده، بل على المجتمع والدولة وصناع القرار. تكشف الضربات الروسية للمدن الأوكرانية أن الألم المدني أداة استراتيجية لا أثر جانبي. وغايتها إثارة جدل داخلي في أوكرانيا حول جدوى الاستمرار في القتال. الهدف الأبعد يروم تفكيك الإرادة السياسية الأوكرانية، ودفع الغرب إلى رؤية الحرب عبئاً بلا أفق. تحمل هذه الاستراتيجية نقيضها في داخلها؛ فكلما اتسع الطابع العقابي للحرب، تعذر على كييف والغرب قبول تسوية ستبدو أنها مكافأة للعدوان. لا تتصرف روسيا كطرف يتأهب للتسوية، بل كطرف يسعى إلى تحسين شروط الإخضاع قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.
يدرك الأوكرانيون أن عدم قدرتهم على مجاراة التفوق العددي الروسي لا يعني عجزهم عن التأثير في تكلفة الحرب. اعتمدت روسيا على اتساعها الجغرافي لحماية مركزها الاقتصادي، لكن هذا الرهان سقط مع تكرار اختراق الطائرات المسيّرة والصواريخ الأوكرانية للعمق الروسي. استهداف المصافي ومنشآت الطاقة يؤثر على إمدادات الوقود والنقل والجيش والأسعار، ويضعف مصداقية سردية الكرملين عن الحرب البعيدة. استمرار هذه الهجمات قد يغير معادلة التفاوض. أوكرانيا لا تنقل الحرب إلى الداخل الروسي لتحقيق نصر سريع، بل لجعل عامل الوقت يشكل ضغطاً متزايداً على الكرملين.
تسعى موسكو إلى مفاوضات تحقق مصالحها دون فرض قيود عليها، وتهدف في النهاية إلى تنفيذ شروطها المعلنة مسبقاً. التفاوض مع موسكو يمثل امتداداً للصراع بوسائل مختلفة، مثل تثبيت خطوط السيطرة الحالية، وتخفيف العقوبات، وتقليص الدعم العسكري لكييف، والمراهنة على خلافات غربية أو تراجع الاهتمام الدولي. إضافة إلى ذلك، تسعى روسيا إلى تحويل الوقائع الميدانية إلى أسس سياسية دائمة، والمطالبة بضمانات تمنع انضمام أوكرانيا إلى الناتو أو تقيّد قدراتها، ما يؤدي إلى تقليص سيادتها. الخطر الحقيقي ليس في رفض روسيا التفاوض، بل في قبولها مفاوضات تفرض نتائج الحرب قبل انتهائها.
لا يمكن الحديث عن تفاوض جدي يؤدي إلى تسوية معقولة دون تحقق أربعة شروط مجتمعة: أولاً، أن تتجاوز الكلفة العسكرية الحد الذي يمكن لروسيا تحمله؛ ثانياً، أن تتحول الكلفة الاقتصادية من أزمة إلى أزمة تؤثر في القرار السياسي؛ ثالثاً، أن تُغلق فرص تحقيق مكاسب جديدة؛ وأخيراً، أن تبقى الجبهة الغربية الداعمة لأوكرانيا متماسكة. في ظل الوضع الحالي، لا تزال هذه الشروط بعيدة عن التحقق. فرغم تعثر روسيا، إلا أنها قادرة على مواصلة الحرب، واقتصادها لم يصل بعد إلى عجز بنيوي يجبر الكرملين على الاختيار بين استمرار الحرب واستقرار النظام. كما أن الكرملين لا يبدو مستعداً للتخلي عن سياسة القضم البطيء للأراضي الأوكرانية ما دامت مستمرة. والأهم أن موسكو ترى أن العلاقات بين ضفتي الأطلسي ليست في أفضل حالاتها، بالإضافة إلى الإرهاق الأوروبي، ما يجعل الروس يعتبرون عامل الوقت في صالحهم.
تقتصر الخيارات الواقعية لموسكو على عدة مسارات. الخيار الأرجح هو استمرار الاستنزاف، إذ يعتبره الكرملين أقل كلفة من الاعتراف بفشل أهداف الحرب السياسية. يلي ذلك التفاوض التكتيكي بدلاً من التسوية الاستراتيجية. تلجأ روسيا إلى هذا الخيار إذا تمكنت من تجميد الوضع الميداني وإضعاف أوكرانيا وتخفيف الضغط الغربي. هذا المسار لا يمثل سلاماً بل هدنة عملياتية. هناك أيضاً خيار تصعيد الحرب العقابية ضد المدن والبنية التحتية للطاقة والدفاعات الجوية، وتزداد جاذبية هذا النهج مع تعذر الحسم العسكري. بالإضافة إلى ذلك، تسعى موسكو إلى امتصاص الضربات الأوكرانية وإعادة ترتيب الوضع الداخلي من خلال فرض قيود على الوقود والتصدير، ودعم المصافي، والتكتم على الخسائر. هذا يمثل إدارة للألم وليس حلاً له. أخيراً، تعمل روسيا على توسيع علاقاتها الخارجية مع آسيا وقطاع الطاقة والسلاح والشراكات غير الغربية، وتعزيز خطاب تعدد الأقطاب، ليس كبديل عن الغرب بل كوسائل لتعزيز مكانتها الدولية.
ومن هنا يتبين خطل سياستين غربيتين. الأولى تنتظر انهيار روسيا، وهي سياسة تراهن على ما لا تملك زمامه. والثانية تدفع كييف إلى تفاوض مبكر، وهي تمنح موسكو مكافأة لم تستحقها بعد. تسريع دعم الدفاعات الجوية لأوكرانيا ضرورة سياسية تمنع روسيا من استغلال المدن كورقة تفاوض، وكذلك دعم استهداف عمق روسيا بما يصيب بنية الحرب فيها. تحتاج العقوبات إلى تنفيذ صارم بدلاً من إعلان جولات جديدة يتم اختراقها من قبل الشركات الأوروبية نفسها. أما الصناعة الدفاعية الأوروبية فعليها أن تعامل الحرب كسباق إنتاج لا أزمة عابرة. وأي وقف لإطلاق النار يجب أن يقترن بضمانات أمنية فعلية وآليات ردع، لا أن يصير فرصة روسية لإعادة التسلح. فالسلام يتحقق عندما تفقد روسيا ثقتها بأن الحرب تمنحها أكثر مما يمنحه التفاوض.
روسيا ليست مرتاحة، لكنها لم تُحشر بعد. وأوكرانيا لم تُهزم، لكنها لم تفرض بعد كلفة تكفي لقلب القرار الروسي. بين هذين الحدين تتحرك الحرب: ألم متبادل، واستنزاف طويل، وضغط متصاعد على الداخلين معاً. لذلك تبدو الدعوة إلى تفاوض سريع عرضاً زائفاً. العطب ليس في غياب قناة دبلوماسية، بل في غياب ميزان قوة يجعل الدبلوماسية أكثر إقناعاً من الحرب. بوتين لا يفتقر إلى باب خروج، بل إلى سبب يجعل الخروج أفضل من البقاء. وهذا السبب لم ينضج بعد.

