هل ادركت اوروبا اخيرا انها وحيدة؟
استراتيجية الامن القومي الجديدة في واشنطن تكرس علاقة عدائية مع القارة الاوروبية
ناتالي توتشي هي مديرة معهد الشؤون الدولية، وأستاذة فخرية في جامعة توبنغن، وأستاذة مساعدة في معهد الجامعة الأوروبية، وزميلة في معهد العلوم الإنسانية.
خدع الاوروبيون انفسهم طويلا بالاعتقاد ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب غير قابل للتوقع ومتقلب وغير متسق، لكنه في النهاية قابل للاحتواء. هذه الفكرة تبعث على شيء من الاطمئنان، لكنها خاطئة. من خطاب نائب الرئيس الامريكي جي دي فانس الذي سخر فيه من اوروبا في مؤتمر ميونيخ للامن في فبراير، وصولا الى استراتيجية الامن القومي الامريكية الجديدة التي صدرت في الرابع من ديسمبر، تتجلى لدى ادارة ترامب رؤية واضحة ومتسقة حيال اوروبا، رؤية تعطي الاولوية للعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا وتسعى الى تقسيم القارة والسيطرة عليها، مع اسناد القسم الاكبر من العمل القذر الى القوى القومية اليمينية المتطرفة في اوروبا، تلك القوى التي تحظى اليوم بدعم من موسكو وواشنطن معا. تأخر الوقت كثيرا قبل ان تدرك اوروبا انه، في ما يتعلق بحرب روسيا واوكرانيا وامن القارة، فانها في احسن الاحوال تقف وحدها، وفي اسوئها تواجه خصمين معا، روسيا في الشرق وولايات ترامب المتحدة في الغرب.
في كل مرة يهاجم فيها ترامب او اعضاء ادارته اوروبا، بما في ذلك اوكرانيا، يتلقى الاوروبيون الضربة بابتسامة متكلفة، ثم يبذلون اقصى ما في وسعهم لممالاة البيت الابيض. يظنون انهم يناورون بذكاء، مستغلين ما يعتقدونه عدم تماسك في مواقف ترامب وغرورا شخصيا لديه لاعادته الى الحظيرة الاطلسية. ومع ذلك، في كل مرة يوجه ترامب انتباهه الضيق الى حرب اوكرانيا ينحاز الى روسيا، من الفخ المنصوب في المكتب البيضاوي للرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي في فبراير، الى الاستقبال المفخم الذي حظي به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الاسكا في اغسطس، وصولا الى خطة السلام المكونة من ثمانية وعشرين بندا، والتي كتبت على الارجح في موسكو. في كل هذه المحطات، تلقى الاوروبيون الضربة وانشغلوا بمحاولة ابقاء واشنطن منخرطة في الملف وانقاذ ما تبقى من الرابطة عبر الاطلسي. لقد ادار الاوروبيون كثيرا من الخدين في مواجهة ترامب حتى يكاد المرء يتساءل هل بقيت لهم خدود لم يديروها بعد.
وضعت اوروبا رهانها على تكرار لا نهائي ليوم جرذ الارض (Groundhog Day). فما يخص اوروبا واوكرانيا وروسيا، تبدو ادارة ترامب متماسكة الى حد لافت. يريد ترامب انهاء حرب اوكرانيا لانه يعتبرها ازعاجا يعطل تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، ولا سيما الصفقات التجارية المخطط لها بين دائرته المقربة وشبكة المحسوبين على الكرملين. النظام العالمي الليبرالي مطوي الصفحة، ومحله منطق البقاء للاصلب. وبدل منافسة تقليدية بين قوى كبرى، يميل ترامب الى نوع من التواطؤ الامبراطوري مع كل من روسيا والصين، فيما يوضع باقي العالم، بما في ذلك اوروبا، على قائمة الوجبات الاستعمارية المحتملة.
من منظور استراتيجي، يحمل هذا التوجه قدرا من المنطق قصير المدى. اما من الناحية الايديولوجية، فانه ينسجم تماما مع دعم الاحزاب والحكومات اليمينية المتطرفة في اوروبا وخارجها. هذه القوى لا تتقاسم مع تيار اجعلوا امريكا عظيمة مجددا النزعة القومية والمحافظة الاجتماعية فحسب، بل تعمل كذلك على تفتيت اوروبا وتقويض مشروع التكامل الاوروبي من الداخل، بينما تلعب قوى يمين الوسط دور الاغبياء المفيدين من خلال التحالف معها. لا شيء اقل وطنية من هؤلاء الوطنيين والسياديين المزعومين في اوروبا الذين يمعنون في تمزيق الوحدة الاوروبية وهم يلاحقون صفقات التواطؤ مع روسيا. الرؤية الواردة في استراتيجية الامن القومي الامريكية الجديدة فقيرة من حيث السياسات الملموسة تجاه اوروبا، لكنها تحمل رسالة لا لبس فيها، الرابطة العابرة للاطلسي الوحيدة المتصورة هي تلك التي تجمع بين قوى اليمين المتطرف، حيث يتسيد الامريكيون الاقوى على توابعهم الاوروبيين. وهي صورة مطابقة تقريبا للرؤية والاستراتيجية اللتين تتبناهما روسيا بوتين في تعاملها مع اوروبا منذ سنوات.
اذا كانت اوروبا لم تخضع حتى الان لارادة ترامب، فليس ذلك بفضل مناورتها الذكية. مدح ترامب بمناداته يا ابي، واغراقه بالهدايا، ودعوته الى موائد عشاء ملكية، لن ينقذ لا اوكرانيا ولا العلاقة عبر الاطلسي، وكذلك الامر بالنسبة للدبلوماسية الاوروبية المحمومة، والوفود الجماعية الزاحفة الى واشنطن، وخطط السلام البديلة. اذا كانت رؤية ترامب لحرب اوكرانيا ولتوازن قوى جديد في اوروبا لم تتحقق بعد، فذلك يعود ببساطة الى ان بوتين ما زال يتمنع، ويختبر حدود ما يمكن انتزاعه من واشنطن. لكن بناء استراتيجية اوروبية للامن على افتراض ان بوتين سيواصل افشال كل تفاهم محتمل بين روسيا والولايات المتحدة ضرب من الوهم.
ما الذي ينبغي ان يفعله الاوروبيون اذا
الخبر الجيد الاول هو وجود كتلة حرجة من الراي العام والحكومات في اوروبا تدرك ان طريق الامن الاوروبي يمر عبر كييف. يشمل ذلك المانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا والدول الاسكندنافية ودول البلطيق وهولندا واسبانيا، وربما ايطاليا ايضا، ولو ان دافعها الاساسي هو رفضها ان تبقى خارج المشهد. هذه الحكومات تدرك ان حرب الغزو الامبراطوري الروسية تبدأ من اوكرانيا لكنها لا تتوقف عندها، وان استسلام كييف لن يعني سوى تحرير موارد روسية اضافية لفتح جبهات جديدة ضد اوروبا. اوكرانيا هي، بكل مأساويتها، البوابة التي تحول دون تحول الحرب الهجينة الدائرة بالفعل في ارجاء اوروبا الى هجوم عسكري مباشر اوسع واشد تدميرا.
الخبر الجيد الثاني هو ان لاوروبا ادوات ضغط، ربما اكثر من الولايات المتحدة نفسها، في ما يتعلق بحرب اوكرانيا. منذ وصول ترامب الى البيت الابيض، توقف الدعم الامريكي لاوكرانيا فعليا. اوروبا هي التي تحتفظ بمعظم الاصول الروسية المجمدة، وهي التي تفرض العقوبات المؤلمة حقا على روسيا، وهي التي تدعم اوكرانيا اقتصاديا وتوفر لها الجزء الاكبر من المساعدات العسكرية. وبفضل الاستثمارات الاوروبية في اوكرانيا، بات جزء متزايد من قدرة البلاد الدفاعية يعتمد على صناعتها العسكرية المحلية.
مع ذلك، لا يرسم هذا كله لوحة وردية مبالغ فيها. فالولايات المتحدة ما زالت حاسمة لاوكرانيا ولاوروبا، خصوصا بما توفره من معلومات استخباراتية تمكن اوكرانيا من اعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ الروسية التي تستهدف المدن والبنى التحتية الاوكرانية، وبما تقدمه من قدرة على تحديد الاهداف للضربات البعيدة داخل الاراضي الروسية. الى جانب هذا، تجني الولايات المتحدة ارباحا من بيع الاسلحة التي يشتريها الاوروبيون لصالح اوكرانيا، وهي اسلحة لا تنتجها اوروبا بالكميات المطلوبة او لا تنتجها اطلاقا.
كل ذلك يكشف عن معضلة اوسع تمس الامن الاوكراني والاروبي. اوروبا تعمل على تقليص مواطن ضعفها من خلال زيادة الانفاق الدفاعي، لكن هذا الجهد يترجم في كثير من الاحيان الى شراء مزيد من الاسلحة الامريكية. وهكذا تخفض القارة بعض مكامن هشاشتها على المدى القصير، لكنها في المقابل تعمق اعتمادها طويل المدى على الولايات المتحدة، دولة باتت تستثمر في تحويل اعتماد حلفائها الاسميين الى اداة ضغط وسلاح سياسي. الاوروبيون ما زالوا بعيدين عن حل هذه المعضلة.
ورغم غياب حل شامل منظم لهذه المعضلة الامنية، يظل في يد الاوروبيين ما يكفي لمنع انهيار اوكرانيا وتهيئة الظروف لسلام عادل. ما ينقص حتى الان عنصران اساسيان يجب التعامل معهما مباشرة.
اول هذه العناصر قدرة اوروبا على التركيز على غايتها الاستراتيجية. لدى القادة والمؤسسات الاوروبية فهم تجريدي لما تعنيه الاستراتيجية الطويلة الامد، لكنهم عمليا ينجرون في اغلب الاحيان الى مصالح خاصة قصيرة الاجل. ويتجلى ذلك بوضوح في المواقف القصيرة النظر لبلجيكا والبنك المركزي الاوروبي حيال استخدام الاصول الروسية المجمدة لمساعدة اوكرانيا. لا شك في وجود مخاطر مالية وقانونية، لكنها تتضاءل اذا قورنت بالكلفة السياسية والاقتصادية والامنية التي قد تتحملها اوروبا اذا سقطت اوكرانيا.
العنصر الثاني هو الشجاعة. يجب على القادة الاوروبيين ان يحشدوا شجاعتهم، وان يذهبوا الى واشنطن ليشكروا ترامب بلغة مهذبة على جهوده السلمية المزعومة، ثم يقنعوه بان العالم ملئ بصراعات اخرى تستحق اهتمامه. يمكن للاوروبيين ان يوجهوا رسالة مفادها انه في ما يتعلق باوكرانيا، بوسعهم ادارة الحرب بانفسهم، وكل ما يحتاجونه هو استمرار تدفق المعلومات الاستخباراتية، ومواصلة منح الموافقات على صفقات الاسلحة، ريثما تكسب اوروبا الوقت اللازم لبناء قدراتها الذاتية.
لا تستطيع اوروبا ان تتعهد بانهاء الحرب اليوم، لكنها قادرة على الالتزام ببناء شروط امن مستدام في القارة. واذا اقتضى الامر قدرا من الاغراء والمديح، تستطيع اوروبا ان تعد ترامب بان تخصص له، عندما يحين يوم السلام، نصبا تذكاريا او ساحة عامة او جائزة ذهبية لامعة تحمل اسمه.
*Groundhog Day : يوم جرذ الارض تعبيرا مجازيا عن حالة تكرار ممل للاحداث نفسها، من غير تعلم او تغيير في السلوك


