استراتيجية الامن القومي قد تدمر حلف شمال الاطلسي
ماكس بيرجمان مدير برنامج اوروبا وروسيا واوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة، ومدير مركز ستيوارت للدراسات الاوروبية الاطلسية ودراسات شمال اوروبا في المركز نفسه.
عادة ما تثير استراتيجيات الامن القومي نقاشا اكثر بكثير مما تترك من اثر فعلي. فهي تصدر في وقت متأخر من عمر الادارة، حين يكون مسار السياسة قد اتضح بالفعل، وغالبا من دون اختلاف كبير عما سبقها. في هذا السياق تمثل استراتيجية الامن القومي الحالية تحولا فعليا عميقا في اتجاه السياسة الخارجية الامريكية، مع ما يحمله ذلك من تبعات خطيرة محتملة على اوروبا وعلى العلاقة عبر الاطلسي.
هذه الاستراتيجية تعلن فعليا الحرب على السياسة الاوروبية، وعلى القادة السياسيين في اوروبا، وعلى الاتحاد الاوروبي.
كان التوقع السائد في اوروبا حيال استراتيجية الامن القومي والاستراتيجية الدفاعية الوطنية المرتقبة ان ادارة ترامب ستخفض من اولوية اوروبا. من جهة يؤكد نص الاستراتيجية بالفعل ان اوروبا لم تعد في مقدمة الاولويات الدفاعية، على الرغم من التهديد الذي تمثله روسيا. كما يشير بوضوح الى توقع ان تتكفل اوروبا بدفاعها بنفسها، والى ان توسيع حلف الناتو سيتوقف، بما في ذلك استبعاد انضمام اوكرانيا الى الحلف. وهذا كله ليس مفاجئا في حد ذاته.
اما ما يثير الدهشة حقا فهو ان الاستراتيجية تؤكد في الوقت نفسه ان اوروبا مهمة جدا للولايات المتحدة. فهي تقر بان اوروبا ما زالت حيوية استراتيجيا وثقافيا بالنسبة للولايات المتحدة. وهذا يتماشى مع كل استراتيجيات الامن القومي السابقة منذ الحرب العالمية الثانية، الا ان ما يرد بعد ذلك هو الذي يمثل تحولا ثوريا حقيقيا، ومصدرا محتملا لعدم الاستقرار.
لان اوروبا تكتسب هذه الاهمية بالنسبة للولايات المتحدة، ترى واشنطن ان عليها ان تتحرك. وتؤكد استراتيجية الامن القومي ان اوروبا تواجه على ما يبدو احتمال محوا حضاريا حادا. والمتهم في النص هو الاتحاد الاوروبي وسائر الهيئات العابرة للحدود التي تقوض الحرية السياسية، اضافة الى الهجرة وقمع المعارضة السياسية.
تسعى استراتيجية الامن القومي عن عمد الى احياء القومية الاوروبية. فهي تدعو الى الاحتفاء غير الموارب بالطابع والتاريخ الخاص بكل دولة اوروبية. وتضيف ان الولايات المتحدة تشجع حلفاءها السياسيين في اوروبا على تعزيز هذا الاحياء الروحي، وان النفوذ المتزايد للاحزاب الاوروبية الوطنية يمنح اسبابا كبيرة للتفاؤل. وهذا يشكل تأييدا صريحا للاحزاب القومية اليمينية المتطرفة التي برزت في السياسة الاوروبية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. بل تمضي الاستراتيجية ابعد من ذلك فتدعو الى تدخل مباشر في الحياة السياسية الديمقراطية لحلفاء الولايات المتحدة الاوروبيين، عبر تأكيد ان السياسة الامريكية ينبغي ان تعطي الاولوية لتنمية مقاومة المسار الحالي لاوروبا داخل الدول الاوروبية نفسها.
يمثل هذا تحولا جذريا في السياسة الخارجية الامريكية تجاه اوروبا. فبعد الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة اشد المدافعين عن مشروع التكامل السياسي والاقتصادي الاوروبي، تحديدا لكبح الاثار المزعزعة للاستقرار للقومية الاوروبية التي اعتبرت احد اسباب دمار القارة. وقد صرح الرئيس دوايت ايزنهاور، وهو من اشد الداعمين للتكامل الاوروبي، عام 1957 بمناسبة انشاء الجماعة الاقتصادية الاوروبية، التي تعد سلف الاتحاد الاوروبي، بان اليوم الذي تصبح فيه هذه السوق المشتركة حقيقة سيكون من اعظم ايام تاريخ العالم الحر، وربما اعظم من يوم الانتصار في الحرب. كان توحيد اوروبا في كيان اتحادي يتعلق بكيفية كسب السلام، وهو هدف تحقق الى حد كبير بفضل العمل المتوازي للاتحاد الاوروبي وحلف شمال الاطلسي.
فضلًا عن ذلك، وعلى الرغم من ان زعماء الضفتين عبر الاطلسي كانت لهم دائما تفضيلاتهم الخاصة من القادة والعلاقات، فقد جرى في العادة تجنب التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للطرف الاخر. وحين يزج القادة بانفسهم، او يُنظر اليهم على انهم يفعلون ذلك، كما حدث عندما زار الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي مصنعا للذخيرة في بنسلفانيا في سبتمبر الماضي برفقة حاكم ديمقراطي، يتعرضون كثيرا للانتقاد.
مع ذلك تدعو استراتيجية الامن القومي الولايات المتحدة الى استخدام ما لديها من موارد للتدخل المباشر في السياسة الاوروبية. فما الذي يمكن ان يعنيه ذلك عمليا
اولا، ان التخفيضات الكبيرة في تمويل وزارة الخارجية الامريكية المخصص لبرامج دعم الديمقراطية، الى جانب الغاء الوكالة الامريكية للتنمية الدولية، قد يتيحان قدرا كبيرا من الاموال يمكن اعادة توجيهه لدعم الاحزاب والجماعات اليمينية المتطرفة في اوروبا. ونظرا للقيود الصارمة على تمويل الحملات الانتخابية في معظم الدول الاوروبية، فان مبالغ محدودة نسبيا يمكن ان تترك اثرا واضحا في المعادلات السياسية. صحيح ان روسيا كُشف في اكثر من مناسبة عن محاولاتها دعم احزاب يمينية متطرفة عبر غسل الاموال، لكن المرجح ان تقوم الولايات المتحدة بمثل هذه الخطوات بصورة معلنة.
ثانيا، من المرجح ان تقاوم شركات التكنولوجيا الامريكية او تتجاهل التشريعات الاوروبية المنظمة للتكنولوجيا، ولا سيما ما يتعلق منها بتنظيم المحتوى والاشراف عليه. وقد تعمل هذه الشركات ايضا على الترويج لمحتوى اليمين المتطرف في الفضاء السياسي الاوروبي وتعظيم انتشاره. ومن المرجح ان تحظى هذه الشركات بدعم قوي من ادارة ترامب. واللافت ان كلمة الديمقراطية لا ترد في نص استراتيجية الامن القومي الا في سياق المطالبة برفع القيود المفترضة على حرية التعبير في اوروبا. بمعنى اخر، تصبح الجهود الرامية الى الحد من خطاب الكراهية المعادي للسامية على الانترنت، او حظر المانيا للاحزاب المؤيدة صراحة للنازية، بمثابة اساءة موجهة الى الولايات المتحدة.
اخيرا، يملك مجتمع الاستخبارات الامريكي ادوات وموارد كبيرة يمكن توظيفها لدعم الاحزاب والحركات اليمينية المتطرفة في اوروبا. وقد استخدمت الولايات المتحدة بعض هذه الادوات في بدايات الحرب الباردة لدعم الحركات السياسية المؤيدة للديمقراطية والمعادية للشيوعية. ويبقى السؤال هل ستلجأ الولايات المتحدة اليوم الى هذه الادوات والصلاحيات نفسها لقلب المشهد السياسي الاوروبي رأسا على عقب
في الوقت الذي قد يأمل فيه القادة الاوروبيون ان تكون استراتيجية الامن القومي مجرد خطاب سياسي صاخب، تظل هذه الوثيقة جديرة بان تؤخذ بمنتهى الجدية. فالاستراتيجية توحي بان ادارة ترامب تخطط لتهيئة الظروف لسقوط معظم القادة السياسيين في اوروبا، الذين ينتمي اغلبهم الى احزاب يمين الوسط ويسار الوسط.
اذا تحركت الولايات المتحدة لوضع استراتيجية الامن القومي موضع التنفيذ، فسيرد القادة الاوروبيون والاتحاد الاوروبي حتما. وعلى الرغم من افتراض ادارة ترامب ضعف القادة الاوروبيين، الا ان هؤلاء لن يقبلوا بتدخل مباشر في سياساتهم الداخلية. من ثم يمكن ان يؤدي تطبيق استراتيجية الامن القومي الى صدام كبير، وربما الى تقويض التحالف نفسه.
مع كل ذلك، يكشف نص الاستراتيجية في بعض المواضع عن نبرة تتأرجح بين الابتهاج والغضب. يظهر هذا مثلا في فقرة تقول ان منع الصراعات الاقليمية من التفاقم والتحول الى حروب عالمية تغرق قارات كاملة هدف يستحق عناية القائد العام، ويشكل اولوية لهذه الادارة، وان عالما يشتعل بالحروب التي تصل الى شواطئنا يضر بالمصالح الامريكية، وان الرئيس ترامب يستخدم الدبلوماسية غير التقليدية، والقوة العسكرية الامريكية، والنفوذ الاقتصادي لاطفاء جمر الانقسامات بين الدول النووية والحروب العنيفة الناتجة عن قرون من الكراهية. من غير الواضح كيف يمكن عمليا اطفاء هذه الانقسامات، لكن الرسالة العامة تقول ان السلام افضل بما لا يقاس من الحرب، وان الحرب جحيم حقيقي، وان العالم يزدهر عندما يسوده السلام وعندما يعمل معا لمواجهة التحديات العالمية. وخلال نصف القرن الماضي برهن الحضور الامريكي القوي في العالم على قدرته على خدمة اهداف السلام والازدهار، كما ان الرئيس ترامب نفسه دفع بقضية السلام الى الامام بقدر كبير من النشاط والعزم، غير ان هذه الجهود لا ينبغي ان تظل حادثة استثنائية عابرة.
من المجدي تحمل تكاليف معقولة على المدى القصير من اجل مكاسب طويلة الامد تحت عنوان السلام الامريكي. فهذه التكاليف تعد استثمارات في الامن، وفي التجارة المفتوحة، وفي الديمقراطية، وفي شبكات التحالفات. اما اغفال هذه الركائز الاساسية للسلام العالمي فلن يجعل امريكا اولا، بل سيجعلها اكثر ضعفا.


