المهيمن المفترس
كيف يمارس ترامب السلطة الأمريكية
ستيفن إم. والت*
منذ تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة لأول مرة في عام 2017، سعى المراقبون إلى إيجاد وصف دقيق لنهجه في السياسة الخارجية الأميركية. ففي عام 2018، اعتبر عالم السياسة باري بوزن أن “الاستراتيجية الكبرى” لترامب تتمثل في “هيمنة لا ليبرالية”، بينما رأى المحلل أورِن كاس، في الخريف الماضي، أن جوهر هذه الاستراتيجية يكمن في المطالبة بـ”المعاملة بالمثل”. وقد وُصف ترامب بأنه واقعي، وقومي، ومركنتيلي تقليدي، وإمبريالي، وانعزالي. كل من هذه الأوصاف يسلط الضوء على جانب من نهجه، إلا أن الاستراتيجية الكبرى لفترة رئاسته الثانية قد يكون الأدق تسميتها بـ”الهيمنة الافتراسية”. فهدفها الأساسي يكمن في استثمار الموقع الاستثنائي لواشنطن لانتزاع التنازلات، والرسوم، وعروض الخضوع الرمزية من الحلفاء والخصوم على حد سواء، والسعي لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد في إطار رؤية للعالم بوصفه لعبة صفرية بحتة.
ورغم أن الولايات المتحدة تملك أصولاً ضخمةً وميزات جغرافية فريدة، فقد تنجح الهيمنة الافتراسية لفترة محدودة. إلا أنها، على المدى البعيد، محكوم عليها بالفشل. فهي لا تلائم عالماً تتنافس فيه عدة قوى كبرى—وخاصة عالماً تكون فيه الصين نداً اقتصادياً وعسكرياً—إذ تمنح التعددية القطبية الدول الأخرى وسائل للحد من اعتمادها على الولايات المتحدة. وإذا استمرت الهيمنة الافتراسية كركيزة للاستراتيجية الأميركية في السنوات المقبلة، فإنها ستضعف واشنطن وحلفاءها معاً، وتؤجج الاستياء العالمي، وتمنح منافسي واشنطن الرئيسيين فرصاً ثمينة، وتترك الأميركيين أقل أمناً وازدهاراً ونفوذاً.
المفترس الأعلى
على مدى ثمانية عقود، شهدت بنية القوة العالمية تحولاً من نظام ثنائي القطبية إلى أحادية القطبية، وصولاً إلى تعددية قطبية غير متوازنة كما هو الحال اليوم، وتغيرت الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة تماشياً مع هذه التحولات البنيوية. ففي زمن الحرب الباردة، تصرفت الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة ذات توجه رعائي تجاه حلفائها الأساسيين في أوروبا وآسيا، معتبرةً أن رفاه هؤلاء الحلفاء كان ركناً محورياً في سياستها لاحتواء الاتحاد السوفييتي. وقد سخرت تفوقها الاقتصادي والعسكري بسخاء، لكنها لم تتردد في ممارسة ضغوط حادة عند الضرورة، كما فعل الرئيس دوايت أيزنهاور برفضه العدوان البريطاني–الفرنسي–الإسرائيلي على مصر عام 1956، أو كما فعل الرئيس ريتشارد نيكسون حينما أنهى ارتباط الدولار بالذهب في عام 1971.
إلا أن واشنطن، في المقابل، لعبت دوراً محورياً في دعم حلفائها على التعافي الاقتصادي عقب الحرب العالمية الثانية، وأسست—والتزمت في معظم الأحيان—بمجموعة من القواعد الهادفة إلى تعزيز الازدهار المتبادل. كما شاركت بفاعلية في إدارة أزمات العملة والاختلالات الاقتصادية، ومنحت الدول الأضعف مكاناً على طاولة القرار وصوتاً في رسم السياسات الجماعية. قاد المسؤولون الأميركيون النظام الدولي، لكنهم في الوقت ذاته أظهروا استعداداً للإصغاء إلى شركائهم، ونادراً ما سعوا إلى إضعافهم أو استغلالهم بشكل ممنهج.
وفي الحقبة الأحادية القطبية، اتسمت السياسة الأميركية بقدر ملحوظ من الغرور والتحول إلى هيمنة متهاونة واندفاعية. وفي ظل غياب منافسين أقوياء، ومع قناعة راسخة بأن معظم الدول ستقبل القيادة الأميركية وتتبنى قيمها الليبرالية، قلل صانعو القرار الأميركيون من أهمية هواجس الدول الأخرى، وانخرطوا في مغامرات مكلفة وذات نتائج عكسية في أفغانستان والعراق ودول أخرى. كما اتبعوا سياسات تصادمية أدت إلى تقارب بين الصين وروسيا، وساهموا في فتح الأسواق العالمية بطريقة عززت صعود الصين، وزادت هشاشة النظام المالي الدولي، وأثارت في نهاية المطاف رد فعل داخلي ساهم في صعود ترامب إلى السلطة.
ومع أن واشنطن سعت في تلك المرحلة إلى عزل بعض الأنظمة المعادية ومعاقبتها وتقويضها، وأحياناً تجاهلت هواجس الأمن لدى بعض الدول، إلا أن صانعي القرار من كلا الحزبين كانوا يؤمنون بأن توظيف القوة الأميركية في بناء نظام ليبرالي عالمي يخدم المصالح الأميركية والعالمية على حد سواء، وأن المعارضة الجدية ستظل محصورة في عدد محدود من الدول المارقة. ولم يتورعوا عن استخدام أدوات القوة لإكراه حكومات أو استمالتها أو حتى إسقاطها، غير أن عدائيتهم كانت موجهة أساساً نحو الخصوم المعترف بهم، وليس نحو الشركاء الاستراتيجيين.
إلا أن الولايات المتحدة في عهد ترامب انتقلت إلى نمط الهيمنة الافتراسية، وهو تحول لم يكن بمثابة استجابة مدروسة أو متماسكة لعودة التعددية القطبية، بل عكس، في جوهره، مقاربة تبادلية صرفة للعلاقات الدولية وإيمان ترامب بأن الولايات المتحدة تمتلك رافعة ضغط هائلة ودائمة على غالبية دول العالم. هذه الاستراتيجية تمثل، في التحليل النهائي، تكيّفاً خاطئاً مع واقع النظام الدولي الجديد الذي تتقاسم فيه قوى عظمى متعددة موازين النفوذ.
في أبريل 2025، شبه ترامب الولايات المتحدة بـ«متجر كبير وجميل»، وقال إن «الجميع يريد قطعة من هذا المتجر». وفي بيان نقلته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، وصف المستهلك الأميركي بأنه «ما تريده كل دولة مما نملك»، مضيفاً: «بعبارة أخرى، إنهم يحتاجون أموالنا».
خلال ولايته الأولى، كبح مستشارون خبراء—مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الخزانة ستيفن منوتشين، ورئيس موظفي البيت الأبيض جون كيلي، ومستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر—اندفاعاته الافتراسية. أما في ولايته الثانية، فقد أطلقت رغبته في استغلال مواطن الضعف لدى الدول الأخرى دون قيود، مدعومة بفريق من المعينين اختيروا على أساس الولاء الشخصي، وبثقة متزايدة—وإن كانت في غير محلها—في قدرته الذاتية على الإحاطة بشؤون العالم.
الهيمنة والخضوع
المهيمن الافتراسي يمثل قوة عظمى تسعى إلى هندسة علاقاتها مع الأطراف الأخرى وفق منطق صفري صرف، بحيث توزع المكاسب دائماً لصالحه. لا يتمثل هدفه الأساسي في بناء علاقات مستقرة ومتبادلة المنفعة تحقق مصالح جماعية، بل في ضمان تحقيق عائد يتجاوز دائماً ما يحصل عليه الآخرون من كل تفاعل. وفق هذا التصور، يعتبر المهيمن أن ترتيباً يربح فيه هو ويخسر شركاؤه أفضل من ترتيب يحقق فيه الجميع مكاسب، ولو كانت هذه المكاسب أعلى مطلقاً للجميع، طالما أن الشريك يحقق مكسباً نسبياً أكبر. المهيمن الافتراسي يسعى دوماً إلى الظفر بنصيب الأسد.
لا شك أن جميع القوى الكبرى تمارس، بدرجات متفاوتة، أنماطاً من الافتراس وتسعى إلى تحقيق مكاسب نسبية. وعند التعامل مع الخصوم، تسعى كل دولة إلى انتزاع أفضل الشروط الممكنة. إلا أن ما يفصل الهيمنة الافتراسية عن السلوك التقليدي للقوى الكبرى هو استعداد الدولة لفرض تنازلات ومكاسب غير متناظرة على كل من الحلفاء والخصوم على حد سواء. فالمهيمن الرعائي لا يفرض أعباءً باهظة على حلفائه إلا اضطراراً، من منطلق قناعته بأن أمنه وازدهاره مرتبطان بازدهار شركائه. وهو يقدّر أهمية القواعد والمؤسسات التي تيسر التعاون المتبادل وتستند إلى شرعية في نظر الأطراف الأخرى، فضلاً عن استقرارها بحيث يمكن للدول أن تتوقع استمرارها دون تغيّر مفاجئ أو متكرر. كما يرحب بالشراكات الإيجابية غير الصفرية مع الدول التي تتقاطع مصالحها معه—مثل احتواء خصم مشترك—بل ويقبل أحياناً بأن يحقق الشركاء مكاسب غير متوازنة إذا أدى ذلك إلى تحسين وضع الجميع. بعبارة أخرى، لا يكتفي المهيمن الرعائي بتعزيز موقعه التراتبي، بل يسعى أيضاً إلى تحقيق ما وصفه الاقتصادي أرنولد وولفرز بـ«أهداف الوسط»، أي إعادة تشكيل البيئة الدولية بما يقلص الحاجة إلى اللجوء المباشر للقوة.
أما المهيمن الافتراسي، فلا يتردد في استغلال شركائه بالقدر ذاته الذي يستغل فيه خصومه. وقد يلجأ إلى الحظر التجاري، والعقوبات المالية، وسياسات إفقار الجوار، والتلاعب بالعملة، وسائر أدوات الضغط الاقتصادي لفرض شروط تبادل تصب في صالح اقتصاده، أو لإجبار الآخرين على تعديل سلوكهم في قضايا ذات أهمية استراتيجية. كما يربط تقديم الحماية العسكرية بمطالب اقتصادية مباشرة، ويتوقع من شركائه في التحالف دعم توجهاته الأوسع في السياسة الخارجية. وغالباً ما ترضخ الدول الأضعف لمثل هذه الضغوط القسرية عندما تكون معتمدة بشكل كبير على النفاذ إلى سوق المهيمن أو تواجه تهديدات أشد من قوى أخرى، فتضطر إلى الاتكاء على مظلته الأمنية ولو بشروط مجحفة. وبما أن القوة الإكراهية للمهيمن الافتراسي تقوم على إبقاء الآخرين في حالة خضوع دائم، يتوقع قادته من الدول الواقعة ضمن نطاق نفوذهم الاعتراف العلني بموقعهم التابع من خلال أفعال متكررة، غالباً ما تحمل طابعاً رمزياً. فقد يُطلب من هذه الدول دفع جزية رسمية أو يُستدعى قادتها للإشادة علناً بفضل المهيمن وخصاله. وتؤدي هذه الطقوس وظيفة مزدوجة: فهي من جهة توجه رسالة مفادها أن مقاومة المهيمن عديمة الجدوى نظراً لتفوقه، ومن جهة أخرى تعزز صورته باعتباره الأجدر بفرض شروطه على أتباعه.
ليست الهيمنة الافتراسية ظاهرة مستحدثة؛ فقد شكلت أساس علاقة أثينا بالمدن الأضعف ضمن إمبراطوريتها، وهو النمط الذي وصفه بريكليس، أحد أبرز قادة أثينا، بالطغيان. كذلك بُني النظام الصيني التقليدي في شرق آسيا على أشكال مشابهة من التبعية، تضمنت دفع الجزية وإظهار الولاء الطقوسي، حتى وإن اختلف الباحثون حول مدى استغلاله المستمر. كما مثّلت رغبة القوى الكبرى في استخراج الثروات من مستعمراتها سمة مركزية للإمبراطوريات البلجيكية والبريطانية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية، ودفع دوافع مماثلة العلاقات الاقتصادية الأحادية التي أسستها ألمانيا النازية مع شركائها في أوروبا الوسطى والشرقية، وأيضاً علاقات الاتحاد السوفيتي مع حلفائه في حلف وارسو. ورغم الاختلافات في التفاصيل التاريخية، يبقى القاسم المشترك بين هذه الحالات هو سعي قوة مهيمنة لاستغلال شركائها الأضعف بما يضمن لها مكاسب غير متكافئة، حتى وإن لم تُكلّل تلك المحاولات دائماً بالنجاح، أو كلّفت بعض التوابع أكثر مما أمدتهم به من ثروات أو جزية.
وباختصار، يتعامل المهيمن الافتراسي مع كل علاقة ثنائية بوصفها لعبة صفرية، ويسعى إلى انتزاع أقصى قدر من المنافع من كل طرف مقابل. شعاره الضمني: ما هو لي فهو لي، وما هو لك قابل للتفاوض. ولا يمنح الاتفاقات القائمة قيمة ذاتية أو شرعية مستقلة، بل يتنصل منها أو يهمشها متى فقدت قدرتها على منحه مكاسب غير متكافئة. رغم أن بعض محاولات الافتراس قد لا تكلل بالنجاح، وللاستغلال حدود حتى بالنسبة لأقوى الدول، إلا أن المسعى الجوهري للمهيمن الافتراسي يبقى توسيع تلك الحدود إلى أقصى مدى ممكن.
رفع سقف الرهان
تتجلى النزعة الافتراسية في السياسة الخارجية لإدارة ترامب من خلال تركيزه المفرط على العجز التجاري واعتماده الرسوم الجمركية كأداة لإعادة توزيع المكاسب الاقتصادية لصالح واشنطن. إذ اعتاد على توصيف العجز التجاري بأنه “نهب” أو “عملية سلب”، ويؤمن بأن الدول صاحبة الفائض التجاري “تفوز” لأنها تستفيد من الولايات المتحدة أكثر مما تمنحه إياها. انطلاقاً من هذا المنظور، فرض رسوماً جمركية على تلك الدول تحت ذريعة حماية الصناعات الأمريكية برفع تكلفة السلع الأجنبية—مع أن العبء الأكبر لهذه الرسوم يقع على عاتق المستهلك الأمريكي—واستخدم التهديد بفرض رسوم لإرغام الحكومات والشركات الأجنبية على الاستثمار في الولايات المتحدة مقابل إعفائها من هذه القيود.
لم تقتصر الرسوم الجمركية في عهد ترامب على الأهداف الاقتصادية فحسب، بل تحولت إلى أداة ضغط لتحقيق غايات سياسية لا تمت بصلة مباشرة للاقتصاد. ففي يوليو الماضي، فرض تعرفة بنسبة 40% على البرازيل في محاولة فاشلة لدفع حكومتها للعفو عن الرئيس السابق جايير بولسونارو، حليفه السياسي. وفي نوفمبر، خفف بعض تلك الرسوم التي ساهمت في ارتفاع أسعار الغذاء للمستهلكين الأمريكيين. كما استغل تقاعس كندا والمكسيك عن السيطرة على تهريب الفنتانيل ذريعة لرفع الرسوم عليهما، وهدد في أكتوبر بزيادة الرسوم على كولومبيا إثر انتقاد رئيسها للعمليات المثيرة للجدل التي نفذتها البحرية الأمريكية ضد أكثر من عشرين قارباً في الكاريبي، والتي زعمت إدارة ترامب أنها استهدفت تهريب المخدرات.
لا يميز ترامب في ممارسات الإكراه بين الحلفاء التقليديين والخصوم الصرحاء، بل يوظف التهديدات المتقلبة وغير المتوقعة كأداة تفاوضية أساسية لانتزاع أكبر قدر من التنازلات. فهو يرى في عنصر المفاجأة وعدم القدرة على التنبؤ وسيلة لتعزيز موقعه التفاوضي، ويعمد إلى تبديل مطالبه وتهديداته باستمرار لإبقاء الأطراف الأخرى في حالة ترقب وسعي دائم لإرضائه. فالتهديد بفرض الرسوم الجمركية لا يكلف واشنطن ثمناً كبيراً إن استجاب الطرف الآخر بسرعة، ويمكن تأجيل التنفيذ عند مواجهة صمود أو اضطراب في الأسواق. ويؤدي هذا الأسلوب إلى إبقاء الأضواء مسلطة على ترامب ذاته، ويسمح لإدارته بتصوير أي اتفاق لاحق باعتباره نصراً، بغض النظر عن تفاصيله، كما يخلق فرصاً للفساد تعود بالنفع على الرئيس ودائرته المقربة.
سعى ترامب إلى تعظيم نفوذ الولايات المتحدة عبر ربط المطالب الاقتصادية بالحاجة المتزايدة لدى الحلفاء للدعم العسكري الأمريكي، متعمداً إلقاء ظلال من الشك على التزامات واشنطن تجاه التحالفات القائمة. أصر على أن يتحمل الحلفاء كلفة “الحماية” الأمريكية، ولوح مراراً بإمكانية الانسحاب من حلف الناتو أو الامتناع عن الدفاع عن تايوان أو التخلي عن أوكرانيا بالكامل. إلا أن مقصده لم يكن تعزيز فعالية الشراكات من خلال دفع الحلفاء لتحمل مزيد من أعباء الدفاع الذاتي—فالارتفاع الحاد في الرسوم الجمركية يضر باقتصاداتهم ويقوض قدرتهم على زيادة الإنفاق الدفاعي—بل كان الهدف استخدام التهديد بفك الارتباط لانتزاع تنازلات اقتصادية. وقد أسفرت هذه الاستراتيجية عن تحقيق بعض المكاسب القصيرة الأجل، فعلى سبيل المثال، وافق قادة الاتحاد الأوروبي في يوليو على اتفاق تجاري أحادي الجانب على أمل استمرار دعم ترامب لأوكرانيا، وخُفضت الرسوم على اليابان وكوريا الجنوبية في اتفاقين أبرما في يوليو ونوفمبر مقابل تعهدات باستثمارات في الاقتصاد الأمريكي. كذلك سعت أستراليا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان وأوكرانيا إلى تثبيت الدعم الأمريكي عبر منح واشنطن حق الوصول أو الملكية الجزئية لمعادن استراتيجية ضمن أراضيها.
يفضل المهيمن الافتراسي نظاماً دولياً تُختزل قواعده، بتعبير ثوسيديدس الشهير، في أن “القوي يفعل ما يستطيع والضعيف يعاني”. ولهذا يتحفظ تجاه الأعراف والمؤسسات والقواعد التي قد تحد من قدرته على استغلال الآخرين. ليس من المستغرب إذن أن يُبدي ترامب استخفافاً بالأمم المتحدة، وأن يمزق اتفاقات أبرمها أسلافه—كالاتفاق المناخي في باريس والاتفاق النووي مع إيران—بل وأن يتراجع حتى عن اتفاقات تفاوض عليها هو نفسه. كما يفضل المفاوضات الثنائية على التعامل مع كيانات متعددة الأطراف مثل الاتحاد الأوروبي أو منظمة التجارة العالمية، لأن التفاوض الفردي يعزز موقع الولايات المتحدة التفاوضي. فضلاً عن ذلك، فرض عقوبات على مسؤولين كبار في المحكمة الجنائية الدولية، وشن هجوماً على مخطط تسعير الانبعاثات الذي طورته المنظمة البحرية الدولية للحد من تغير المناخ عبر تشجيع شركات الشحن على استخدام وقود أنظف. وصف ترامب هذه الخطة بأنها “خدعة” وسعى إلى عرقلتها، وبعد تهديد إدارته بفرض رسوم وعقوبات وإجراءات انتقامية على مؤيديها، أُجّل التصويت على اعتمادها الرسمي عاماً كاملاً. وعلّق أحد مندوبي المنظمة في أكتوبر بأن الوفد الأمريكي “يتصرف كالعصابات”، مضيفاً أنه “لم يسمع شيئاً كهذا في اجتماع للمنظمة”.
لا تكتمل صورة الهيمنة الافتراسية لواشنطن من دون التوقف عند انكشاف شهية ترامب العلنية للاستحواذ على أراضي دول أخرى واستعداده للتدخل في شؤونها الداخلية، في انتهاك صريح للقانون الدولي. تمثل رغبته المتكررة في ضم غرينلاند وتهديده بفرض رسوم عقابية على الدول الأوروبية المعارضة أبرز تجليات هذا المنحى. وقد نبه تقرير الاستخبارات العسكرية الدنماركية الصادر في ديسمبر إلى أن “الولايات المتحدة باتت توظف القوة الاقتصادية، بما في ذلك التهديد برسوم مرتفعة، لفرض إرادتها، ولا تستبعد استعمال القوة العسكرية حتى ضد الحلفاء”. كما تعكس تصريحات ترامب بشأن جعل كندا الولاية الحادية والخمسين أو إعادة احتلال منطقة قناة بنما مستوىً مماثلاً من الجشع والانتهازية الجيوسياسية. ويجسد قراره باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو—في سابقة خطيرة قد تستنسخها قوى كبرى أخرى—مظهراً فاقعاً للاستخفاف بالقواعد الدولية واستعداداً لاستغلال مواطن ضعف الخصوم. وتمتد النزعة الافتراسية إلى المجال الثقافي أيضاً، إذ نصت الاستراتيجية الأمنية القومية على أن أوروبا تواجه “محواً حضارياً”، ودعت السياسة الأمريكية إلى “زرع مقاومة داخل الدول الأوروبية لمسارها الحالي”—ما يعني دفع الدول الأوروبية لتبني توجهات قومية متطرفة وعداء للثقافات أو الأديان غير البيضاء وغير المسيحية. فبالنسبة للمهيمن الافتراسي، لا وجود لأي خطوط حمراء.
ويستثمر ترامب الموقع الدولي الفريد للولايات المتحدة لجني منافع شخصية مباشرة له ولأسرته. فقد تلقى من قطر طائرة تتطلب مئات الملايين من أموال دافعي الضرائب الأميركيين لإعادة تأهيلها، ويرجح أن تنتهي في مكتبته الرئاسية المستقبلية. كما أبرمت “مؤسسة ترامب” صفقات تطوير فنادق بملايين الدولارات مع حكومات تسعى لاسترضاء الإدارة، واشترت شخصيات نافذة في الإمارات العربية المتحدة وغيرها مليارات الدولارات من رموز العملات المشفرة التي أطلقها ترامب في مشروع “وورلد ليبرتي فايننشال”—وذلك في الوقت ذاته الذي حصلت فيه الإمارات على نفاذ استثنائي إلى رقائق إلكترونية متقدمة عادة ما تخضع لقيود تصدير أميركية صارمة. لم يسبق لرئيس أميركي أن حول المنصب إلى منصة ربح بهذا الحجم، أو أدار شؤون الحكم بمثل هذا القدر من التجاهل الصارخ لتعارض المصالح.
على غرار سلوك زعماء المافيا أو الحكام الإمبراطوريين، يتوقع ترامب من القادة الأجانب الساعين إلى رضاه أداء طقوس خضوع علني ومبالغات في المديح، وهو ما يفعله أيضاً بعض أعضاء إدارته. يتجلى ذلك في السلوك المحرج للأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الذي صرّح بأن ترامب “يستحق كل الثناء” على رفع إنفاق الحلف الدفاعي، رغم أن هذه الزيادات سبقت إعادة انتخابه وكان لغزو روسيا لأوكرانيا دور أساسي فيها. ولم يقف روته عند هذا الحد؛ ففي مارس 2025 أعلن أن ترامب “كسر الجمود” مع روسيا بخصوص أوكرانيا—وهو ادعاء يخالف الوقائع—ثم أثنى على الضربات الجوية الأميركية ضد إيران في يونيو واصفاً إياها بأنها خطوة “لم يجرؤ أحد غيره على القيام بها”، بل شبّه جهود ترامب في الشرق الأوسط بتصرفات “أب حكيم كريم”.
وليس روته استثناءً؛ فقد أبدى قادة دول آخرون—بينهم مسؤولون في إسرائيل وغينيا بيساو وموريتانيا والسنغال—تأييدهم العلني لمنح ترامب جائزة نوبل للسلام، فيما بالغ رئيس السنغال في الإشادة بمهارات ترامب في الغولف. وفي مشهد تنافسي استعراضي، أهدى الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي-ميونغ ترامب تاجاً ذهبياً ضخماً أثناء زيارته إلى سيول، واختتم مأدبة رسمية بطبق يحمل اسم “حلوى صانع السلام”. حتى جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، شارك في هذا الاستعراض بابتكار “جائزة فيفا للسلام” عديمة الجدوى ومنحها لترامب في احتفال مبهرج أواخر 2025.
ولا تقتصر المطالبة بمظاهر الولاء على اعتبارات نرجسية، بل تكتسب بعداً سياسياً محورياً يتمثل في ترسيخ الامتثال وإحباط حتى أبسط بوادر المعارضة. فالقادة الذين يبدون معارضة لترامب غالباً ما يواجهون التوبيخ والتهديد بعقوبات أشد—كما حدث مراراً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي—في حين ينعم المكثرون من المديح بتساهل مؤقت. ففي أكتوبر 2025، منحت وزارة الخزانة الأميركية خط مقايضة عملات بقيمة 20 مليار دولار لدعم البيزو الأرجنتيني، رغم أن الأرجنتين ليست شريكاً تجارياً أساسياً للولايات المتحدة، وكانت تنافس صادرات فول الصويا الأميركية إلى الصين بمليارات الدولارات قبل اندلاع الحرب التجارية. لكن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، باعتباره حليفاً أيديولوجياً يثني على ترامب علناً ويعتبره قدوة، حصل على دعم مالي بدلاً من قائمة مطالب. بل حتى المدانون في قضايا المخدرات—مثل الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز—قد ينالون عفواً رئاسياً إذا أظهروا انسجامهم مع أجندة ترامب.
تحولت محاولات استرضاء ترامب بالمديح إلى سباق رمزي يتنافس فيه القادة على تقديم أكبر قدر من الثناء في أقصر وقت ممكن، في حين يبادر ترامب إلى معاقبة كل من يخرج عن الخط المرسوم. أدرك رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ذلك حين رفض ادعاء ترامب بأنه أوقف الاشتباكات الحدودية بين الهند وباكستان؛ فلم تمر سوى أسابيع حتى فرضت الولايات المتحدة تعرفة جمركية بنسبة 25% على الهند، ثم رُفعت لاحقاً إلى 50% عقاباً على شراء النفط الروسي. وعندما بثت حكومة مقاطعة أونتاريو إعلاناً تلفزيونياً ينتقد سياسة الرسوم، رفع ترامب التعرفة على كندا بنسبة عشرة بالمئة إضافية. لم تمضِ فترة طويلة حتى قدّم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني اعتذاره، فاختفى الإعلان من الشاشات فوراً. ولتفادي مثل هذه الإهانات، بات كثير من القادة يفضلون الانحناء طوعاً—على الأقل في الوقت الراهن.
طفح الكيل
يرى ترامب وأنصاره في مظاهر الخضوع هذه دليلاً دامغاً على نجاح سياسة الضغط الأقصى في تحقيق مكاسب ملموسة للولايات المتحدة. فقد صرحت آنا كيلي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في أغسطس: “النتائج تتحدث عن نفسها: صفقات الرئيس التجارية تعيد التوازن لصالح مزارعينا وعمالنا، وتريليونات الدولارات من الاستثمارات تتدفق إلى بلادنا، وحروبٌ استمرت عقوداً توشك أن تنتهي... القادة الأجانب حريصون على إقامة علاقة إيجابية مع الرئيس ترامب والمشاركة في الاقتصاد المزدهر.” تبدو الإدارة واثقة من قدرتها على افتراس الدول الأخرى بلا حدود، وأن هذا النهج سيزيد الولايات المتحدة قوة ونفوذاً. غير أن هذا التصور ينطوي على عناصر فشله الذاتي: فالهيمنة الافتراسية تحمل بذور تقويضها في داخلها.
أولى المشكلات تتمثل في أن المنافع التي تتفاخر بها الإدارة قد جرى تضخيمها إلى حد كبير. فغالبية الحروب التي يدعي ترامب أنه أنهىها ما تزال مستمرة، والاستثمار الأجنبي الجديد في الولايات المتحدة بعيد عن أرقام التريليونات، ومن غير المرجح أن يتحقق بالكامل. باستثناء مراكز البيانات المدفوعة بحمى الذكاء الاصطناعي، ليس بمقدور أحد وصف الاقتصاد الأميركي بأنه مزدهر، إذ يرتبط جانب من التباطؤ بتداعيات سياسات ترامب الاقتصادية ذاتها. صحيح أن ترامب وأسرته وبعض حلفائه قد يجنون مكاسب مباشرة من هذه السياسات، إلا أن معظم الأميركيين لا ينالون منها إلا القليل.
علاوة على ذلك، فإن ميزان القوة العالمي قد تبدّل جوهرياً. فاقتصاد الصين ينافس نظيره الأميركي في جوانب عديدة: صحيح أن ناتجه المحلي الإجمالي أقل اسماً، لكنه يتفوق وفق معيار تعادل القوة الشرائية، ومعدلات نموه أعلى، ووارداته تقترب من مستويات الواردات الأميركية. وارتفعت حصة الصين من صادرات السلع العالمية من أقل من واحد بالمئة في عام 1950 إلى نحو 15% اليوم، بينما تراجعت حصة الولايات المتحدة من 16% إلى حوالي 8%. كما تسيطر الصين على سوق العناصر النادرة المكررة التي تعتمد عليها صناعات استراتيجية عديدة، بما فيها الأميركية؛ وتعزز مكانتها بسرعة في مجالات علمية متقدمة؛ فيما تطمح أطراف متعددة—منها مزارعون أميركيون—إلى النفاذ إلى أسواقها. وقد كشفت قرارات ترامب الأخيرة بتعليق الحرب التجارية مع الصين وتأجيل فرض عقوبات على وزارة أمن الدولة الصينية بسبب حملة تجسس إلكتروني ضد مسؤولين أميركيين عن حدود قدرته على إخضاع القوى الكبرى بنفس الأساليب التي يتبعها مع الدول الأضعف.
ورغم أن العديد من الدول ما تزال تتطلع إلى الدخول إلى السوق الأميركية والاستفادة من قاعدة مستهلكيها الضخمة، فإن الولايات المتحدة لم تعد الخيار الأوحد. ففي أعقاب قرار ترامب رفع الرسوم الجمركية على السلع الهندية إلى مستوى قياسي بلغ 50% في أغسطس 2025، توجه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى بكين للمشاركة في قمة جمعت شي جين بينغ وفلاديمير بوتين. وفي ديسمبر، زار بوتين نيودلهي، حيث شبّه مودي علاقة بلاده بروسيا بـ”النجم القطبي”، واتفق الطرفان على مضاعفة التبادل التجاري بينهما ليبلغ 100 مليار دولار بحلول عام 2030. لم تكن الهند تسعى لتحالف رسمي مع موسكو، لكنها أرادت أن تذكر البيت الأبيض بامتلاكها بدائل استراتيجية أخرى.
ومن المؤكد أن إعادة تشكيل سلاسل الإمداد وترتيبات التجارة عملية مكلفة وتتطلب زمناً طويلاً، وأن الاعتماد المتبادل والعادات الراسخة في التعاون لا تزول بين عشية وضحاها. ولهذا السبب، اختارت بعض الدول التهدئة المرحلية. فقد نجحت اليابان وكوريا الجنوبية في إقناع ترامب بخفض الرسوم الجمركية مقابل تعهدات بضخ مليارات الدولارات من الاستثمارات في الاقتصاد الأميركي، مع أن هذه الالتزامات موزعة على سنوات وقد لا تتحقق فعلياً. في الأثناء، عقد مسؤولون من الصين واليابان وكوريا الجنوبية أول مفاوضات تجارية ثلاثية منذ خمس سنوات في مارس 2025، ودرسوا إنشاء خط مقايضة عملات ثلاثي “لتعزيز شبكة الأمان المالي الإقليمي وتعميق التعاون الاقتصادي في ظل حرب ترامب التجارية”، حسب ما أوردته صحيفة South China Morning Post. وعلى مدار العام الماضي، وسعت فيتنام شراكتها العسكرية مع روسيا، متراجعة عن مسار سابق للتقارب مع الولايات المتحدة. ونقلت صحيفة The New York Times عن أحد المحللين أن “سياسات ترامب غير المتوقعة جعلت فيتنام شديدة الحذر في التعامل مع الولايات المتحدة؛ فالمسألة تتجاوز التجارة إلى صعوبة التنبؤ بنوايا الإدارة وأفعالها”. إن ما يُقدَّم بوصفه ميزة تفاوضية—أي اللايقين—يتحول هنا إلى عبء، إذ يدفع الدول الأخرى للبحث عن شركاء أكثر ثباتاً وموثوقية.
وفي المقابل، تسعى قوى دولية أخرى لتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة. فقد كرر مارك كارني التحذير من نهاية عصر التعاون المتنامي مع واشنطن، ووضع هدفاً بمضاعفة صادرات كندا غير الموجهة إلى السوق الأميركية خلال عقد. أبرمت كندا أول اتفاقية تجارية ثنائية مع إندونيسيا وبدأت مفاوضات بشأن اتفاقية تجارة حرة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا، كما زار كارني بكين في يناير لتعزيز العلاقات الثنائية. أما الاتحاد الأوروبي، فقد أبرم اتفاقات تجارية جديدة مع إندونيسيا والمكسيك وتكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية، وكان على وشك استكمال اتفاق مع الهند أواخر يناير. وإذا واصلت واشنطن انتهاج سياسة استغلال اعتماد الدول الأخرى عليها، فإن وتيرة هذه التحركات البديلة ستتسارع عوضاً عن أن تتباطأ.
اشترِ الآن… ولا تدفع لاحقًا؟
تحمل حلفاء الولايات المتحدة سابقاً قدراً من التنمر السياسي نتيجة اعتمادهم العميق على المظلة الأمنية الأميركية. غير أن لهذا التحمل حدوداً. ففي ولاية ترامب الأولى، ظل مستوى الافتراس محدوداً نسبياً، وكان لدى الحلفاء ما يبرر الاعتقاد بأن تلك المرحلة استثناء عابر لا يتكرر. أما اليوم فقد تبدد هذا الأمل، خاصة في أوروبا، إذ تتخذ وثيقة الاستراتيجية الأمنية القومية موقفاً عدائياً صريحاً من عدد من الحكومات والمؤسسات الأوروبية، ومع تجدّد تهديدات ترامب بضم غرينلاند، تصاعدت الشكوك حول مستقبل الناتو وجدواه على المدى البعيد، واتضح أن محاولات استمالته عبر التكيّف مع مطالبه لم تعد مجدية.
كما أن التهديد بسحب الحماية العسكرية الأميركية يفقد فاعليته إذا لم يُنفذ فعلياً، ولا يمكن تطبيقه دون تقويض النفوذ الذي يستند إليه في الأساس. فإذا استمر التلويح بفك الارتباط دون إجراءات عملية، سينكشف الأمر كمناورة فارغة ويتلاشى أثره الردعي. أما إذا أقدمت واشنطن فعلاً على تقليص التزاماتها، فإن الرافعة التي كانت تمتلكها إزاء حلفائها ستتبخر. في كلتا الحالتين، يصبح تحويل وعد الحماية إلى أداة ابتزاز دائم استراتيجية غير قابلة للاستدامة.
أما سياسة التنمّر فليست نهجاً مستداماً على المدى الطويل. فلا أحد يقبل بأن يُجبر على أداء طقوس ولاء مهينة. قد يستمتع بعض القادة المتوافقين مع رؤية ترامب بالإشادة العلنية به، لكن كثيرين غيرهم لا بد يشعرون بالضيق أو الإهانة. ولن يُعرف أبداً ما دار في أذهان من اضطروا إلى “تقبيل الخاتم” وترديد عبارات المديح المصطنعة، لكن من المؤكد أن بعضهم خرج متحفزاً للثأر أو الرد عند أول فرصة سانحة. كما يجب على القادة أن يأخذوا في الاعتبار أثر ذلك على الرأي العام المحلي، حيث يمكن للكرامة الوطنية أن تتحول إلى قوة سياسية دافعة. تجدر الإشارة إلى أن فوز مارك كارني في انتخابات أبريل 2025 ارتبط إلى حد كبير بحملته المناهضة لترامب تحت شعار “ارفعوا المرفقين”، وبانطباع الناخبين أن منافسه المحافظ ليس سوى نسخة مخففة من ترامب. وارتفعت شعبية قادة آخرين، مثل الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، عندما تحدوا تهديدات ترامب. ومع تراكم الإهانات، قد يدرك مزيد من القادة أن المواجهة لا تضعف موقفهم الانتخابي، بل قد تعززه.
الهيمنة الافتراسية ليست مكلفة سياسياً فحسب، بل تعاني أيضاً من ضعف الكفاءة البنيوية. فهي تتخلى عن الاستناد إلى القواعد والأعراف متعددة الأطراف لصالح إدارة العلاقات مع الدول الأخرى بشكل ثنائي مباشر. غير أن الاعتماد على المفاوضات الثنائية في عالم يضم ما يقارب مئتي دولة يصبح مساراً بطيئاً ومرهقاً، وغالباً ما يؤدي إلى اتفاقات مرتجلة وضعيفة التصميم. إضافة إلى ذلك، فإن فرض ترتيبات أحادية الجانب على عشرات الدول يدفعها إلى المماطلة أو التنصل، لإدراكها صعوبة مراقبة المهيمن للامتثال وتنفيذ جميع تعهداته. وقد أدركت إدارة ترامب متأخرة أن الصين لم تشترِ كل الكميات التي تعهدت بها من الصادرات الأميركية في اتفاق “المرحلة الأولى” الموقع عام 2020، الأمر الذي دفعها لفتح تحقيق في أكتوبر. وإذا عممنا هذا المثال على بقية الترتيبات الثنائية التي تعقدها واشنطن، يتضح كيف يمكن للدول الأخرى الالتفاف على التزاماتها عبر وعود مؤقتة ثم تراجع لاحق.
كما أن التخلي عن المؤسسات الدولية، والتقليل من شأن القيم المشتركة، وممارسة الضغوط على الدول الأضعف، يتيح لمنافسي الولايات المتحدة فرصة إعادة صياغة قواعد النظام الدولي لخدمة مصالحهم الخاصة. ففي عهد شي جين بينغ، حرصت الصين على الظهور بمظهر القوة العالمية المسؤولة وغير الأنانية، وأعلنت على الدوام رغبتها في دعم المؤسسات الدولية لصالح البشرية جمعاء. أما دبلوماسية “محاربي الذئاب” التصادمية، التي اتسمت في السنوات الماضية بالخطاب العدائي والضغوط الكلامية من بعض المسؤولين الصينيين، فقد تراجعت إلى حد كبير. وباستثناء حالات محدودة، أصبح الدبلوماسيون الصينيون اليوم أكثر نشاطاً وفاعلية في المحافل الدولية.
ورغم أن الخطاب الصيني لا يخلو من دوافع ذاتية، إلا أن بعض الدول باتت ترى في هذا التموضع بديلاً جذاباً مقارنةً بولايات متحدة تزداد نزعتها الافتراسية وضوحاً. فقد أظهر استطلاع شمل 24 دولة كبرى ونشره مركز بيو للأبحاث في يوليو الماضي أن الأغلبية في ثماني دول تنظر إلى الولايات المتحدة بإيجابية أكبر من الصين، بينما أعرب المستجيبون في سبع دول عن تفضيلهم للصين؛ أما في تسع دول أخرى فقد جاءت التقييمات متقاربة. ومع ذلك، تميل الاتجاهات لصالح بكين؛ إذ أفاد التقرير بأن “النظرة إلى الولايات المتحدة باتت أكثر سلبية، بينما تحسنت صورة الصين”. وهذه الديناميكية لا يصعب تفسيرها في ضوء التحولات الجارية.
الخلاصة أن سلوك الولايات المتحدة كقوة مهيمنة افتراسية يقوض شبكات القوة والنفوذ التي اعتمدت عليها لعقود، والتي شكلت أساس الرافعة التي يسعى ترامب اليوم إلى استغلالها. ستتجه بعض الدول إلى تقليص اعتمادها على واشنطن، وستقيم أخرى ترتيبات جديدة مع منافسيها، ولن يندر من يترقب لحظة الرد على هذا السلوك الأناني. قد لا يحدث ذلك اليوم أو غداً، لكن الارتداد قد يأتي أسرع مما يُتوقع. وكما قال إرنست همنغواي في عبارته الشهيرة عن الإفلاس: “يحدث الأمر تدريجياً ثم فجأة”—وهكذا قد يكون مسار تراجع النفوذ الأميركي إذا استمرت سياسات الهيمنة الافتراسية.
استراتيجية خاسرة
ما زالت القوة الصلبة تمثل العملة الرئيسية في السياسة الدولية، غير أن الفارق الجوهري يكمن في كيفية توظيفها والغايات التي تُسخَّر من أجلها. فهذه الاعتبارات هي التي تحدد ما إذا كانت القوة تعزز مصالح الدولة أو تنقلب عليها. وبفضل موقعها الجغرافي الاستثنائي، واقتصادها الواسع والمتقدم، وتفوقها العسكري الفريد، وسيطرتها على عملة الاحتياط العالمية والعقد المالية الحيوية، استطاعت الولايات المتحدة على مدى العقود الخمسة والسبعين الماضية أن تبني شبكة معقدة من العلاقات والاعتماد المتبادل، وتحقق نفوذاً واسعاً على العديد من الدول.
غير أن الإفراط في استثمار هذه الرافعة كان من شأنه تقويضها ذاتياً. ولهذا بلغت السياسة الخارجية الأميركية أوج فعاليتها حين مارس قادتها القوة المتاحة لهم بضبط واتزان. فقد تعاونوا مع دول تشاركهم الرؤية لبناء ترتيبات تحقق النفع المتبادل، انطلاقاً من إدراكهم أن الآخرين أكثر ميلاً للتعاون إذا لم يتوجسوا من نزعة الهيمنة. ولم يكن أحد يشك في أن واشنطن تمسك بقبضة فولاذية، لكن تغليفها بقفاز مخملي—أي التعامل باحترام مع الدول الأضعف وعدم استنزاف كل ميزة ممكنة—أقنع القوى الأساسية بأن الاصطفاف مع السياسة الأميركية أكثر جدوى من الارتهان لمنافسيها.
أما الهيمنة الافتراسية، فهي تبدد هذه المكاسب سعياً وراء عوائد قصيرة الأمد، متجاهلة الأثمان البعيدة المدى. صحيح أن الولايات المتحدة لن تواجه على المدى المنظور تحالفاً عالمياً مضاداً أو تفقد استقلالها—فهي لا تزال قوية وذات موقع استراتيجي فريد—لكنها مرشحة لأن تصبح أقل ثراءً، وأضعف أمناً، وأدنى تأثيراً مما اعتاد عليه الأميركيون لعقود. وسيجد القادة الأميركيون القادمون أنفسهم مضطرين للعمل من موقع أضعف، وسيواجهون صعوبات جمة في استعادة صورة واشنطن كشريك يسعى إلى مصلحته، لكنه عادل في تعامله. الهيمنة الافتراسية مسار خاسر، وكلما سارعت إدارة ترامب إلى التخلي عنه، كان ذلك أنفع للمصلحة الأميركية والعالمية.
*ستيفن إم. والت هو أستاذ روبرت ورينيه بيلفر للشؤون الدولية في كلية هارفارد كينيدي. وهو من أبرز دعاة المدرسة الواقعية الجديدة للعلاقات الدولية، ومؤلف كتاب “ أصول التحالفات”؛ و”جحيم النوايا الحسنة: نخبة السياسة الخارجية الأمريكية وتراجع الهيمنة الأمريكية” ؛ و “جماعة الضغط الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأمريكية” (بالاشتراك مع جون ميرشايمر).

