استراتيجية ترامب للأمن القومي خريطة طريق نحو أفول الغرب
قد لا تكون أجندة البيت الأبيض متماسكة، لكنها شديدة الخطورة
بقلم هوارد فرِنش، كاتب عمود في مجلة فورين بوليسي
في زمن مضى، كان محافظون بارزون في الولايات المتحدة يتشبثون بجملة من الشكاوى المكرورة عن حلفاء بلادهم في أوروبا الغربية.
بحسب أولئك المنظرين الأميركيين في حقبة الحرب الباردة، كان الأوروبيون يفرضون ضرائب أكثر من اللازم ثم ينفقونها على برامج ضمان اجتماعي سخية إلى حد الإفراط، ما يفترض أنه جعلهم أكثر رخاوة، وفي الوقت نفسه أعاق الابتكار والنمو. وكثيرا ما ترددت التحذيرات من أن أوروبا تتخلى عن أخلاقيات الأسواق المفتوحة والتنافسية التي جعلتها حصنا للرأسمالية، وأنها تنزلق بثبات، وإن على نحو خفي جزئيا، نحو طريق مسدود اشتراكي.
شكوى أخرى ذات طابع طقوسي، تعود على الأقل إلى إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، كانت تقول إن أوروبا تنفق بصورة مزمنة أقل مما ينبغي على دفاعها، وتستفيد مجانا من إنفاق الولايات المتحدة السخي والمضمون على وزارة دفاعها، وهو إنفاق صُمم قبل كل شيء لحماية أوروبا، وبالتالي حماية الغرب نفسه، من أكبر تهديد وجودي آنذاك، الاتحاد السوفييتي.
بعض تلك التذمرات القديمة من أوروبا، ومنها ما يتعلق بما يفترض أنه تقشف قاري في الإنفاق الدفاعي، ما زال حاضرا في استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أصدرتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي. لكن، كما لاحظ كثير من المعلقين، فإن الوثيقة تمثل أوسع إعادة صياغة لرؤية الجمهوريين للعالم منذ عقود. وعلى مستوى افتراضاتها الكبرى بشأن أوروبا، تبدلت الصورة كلها تقريبا إلى حد أن أي شخصية جمهورية بارزة في التاريخ القريب—لا نيكسون، ولا الرئيس رونالد ريغان، وربما حتى مرشح الرئاسة اليميني المتشدد الفاشل عام 1964 باري غولدووتر—لن تتعرف إليها.
اختفى إلى حد كبير الافتراض القائل إن روسيا تمثل مصدر قلق أمني كبير ومشترك للولايات المتحدة وأوروبا. يظهر ذلك أساسا عبر الإغفال وما يمكن قراءته بين السطور، لكنه يظهر أيضا عبر سلسلة من إجراءات ترامب هذا العام لإعادة توجيه السياسة الخارجية الأميركية على نحو أكثر ملاءمة لموسكو. وأفضل مقياس لذلك يأتي من روسيا نفسها، التي قد يصعب عليها تصديق حظها وسط هذا الانعطاف في واشنطن. فقد سارعت وسائل الإعلام الروسية إلى إعلان أن استراتيجية الأمن القومي الأميركية منسجمة إلى حد بعيد مع رؤيتها هي للعالم.
قد يكون هذا مجرد تفصيل لو لم تكن الحرب الجارية في أوكرانيا نتيجة غزو روسيا عام 2022. لكن غياب الانشغال بالتوسع الروسي داخل دوائر الأمن في الإدارة يوحي بشيء راديكالي حقا، لم يملك ترامب ومستشاروه بعد الشجاعة أو الصراحة للإعلان عنه بوضوح.
لا تخطئوا: وثيقة الاستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض هي مخطط لإدارة هندسة أفول الغرب—أو على الأقل أفول ما فهمه العالم من هذا المصطلح منذ الحرب العالمية الثانية، بدءا من حزمة مصالح مشتركة وثيقة الربط بين أوروبا والولايات المتحدة.
سيناريو ترامب لتحقيق ذلك يقوم على خيالات قاتمة عن استيلاء زاحف على مجتمعات توصف اسميا بأنها بيضاء، عبر شعوب ذوي البشرة الملونة—جحافل السود والسمر والصفر التي طاردت أدبيات هلع أبيض محموم في زمن مضى. وقد تجسد ذلك بأوضح صورة في شخصيات مثل الكاتب الشعبوي لوثروب ستودارد في عشرينيات القرن الماضي . ففي كتابه المؤثر «المد الصاعد للون ضد سيادة العالم الأبيض»، كتب ستودارد أن «هجرة الملونين خطر شامل يهدد كل جزء من العالم الأبيض». (بل إن تلميحا مقنعا إلى ستودارد تسلل حتى إلى إحدى أكثر الروايات الأميركية تقديرا في القرن، «غاتسبي العظيم» لفرانسيس سكوت فيتزجيرالد).
أما استراتيجية ترامب للأمن القومي حذرت من أن أوروبا، بسبب الهجرة، مهددة بألا تبقى أوروبية زمنا أطول، وهي عبارة تعني بوضوح أن تعريفها ينبغي أن يظل مرتبطا بأنها بيضاء عرقيا. يمكن استنتاج أن سبب إدراج هذا الكلام في وثيقة بهذه المكانة هو أن في نظر ترامب بقاء الولايات المتحدة وأوروبا بيضاء عرقيا شرط تأسيسي لبقائهما حليفين قريبين. وبصيغة أخرى: الالتزام بالبقاء أبيض عرقيا هو بحسب ترامب، شرط للاستمرار في استحقاق ذلك اللقب الذي ظل طويلا شائعا وغير موضع مساءلة، ألا وهو “الغرب”.
وبقدر ما يثير هوس الحكومة الأميركية بمسألة البياض القلق، سيكون من الخطأ تخيل أن سياسة إدارة ترامب متماسكة ولو من بعيد. فتحذير ترامب من أن أوروبا تفقد هويتها، أساسا بسبب تدفق مهاجرين غير بيض، ينطوي على خلل منطقي فادح إلى حد يوحي بأن ما هو على المحك ليس مسألة عرق وحدها، بل شيء آخر في العمق، وربما أكثر تهديدا.
يتضح هذا الخلل عندما مقارنة معدلات الهجرة إلى الولايات المتحدة بمعدلاتها في بعض أكبر وأغنى الدول الأوروبية. فالمقارنة تكشف أن أوروبا لا تتميز في هذا الجانب على الإطلاق.
نحو 19 في المئة من سكان ألمانيا مهاجرون—وهي نسبة أعلى قليلا من نسبة الولايات المتحدة البالغة 15 في المئة—وهو ما يمكن اعتباره نتيجة تقييم واقعي لتراجعها الديموغرافي خلال فترة مستشارية أنغيلا ميركل. ففي عهدها استقبلت ألمانيا مئات الآلاف من القادمين من دولة متداعية في الشرق الأوسط، هي سوريا. إن دمج هذا العدد الكبير من الوافدين يفرض، على نحو لا مفر منه، تكيفا ثقافيا يولد ضغوطا على المجتمع المضيف وعلى المهاجرين معا. لكن ورغم أن كثيرا من الناخبين الألمان انقلبوا—ولو مؤقتا—على الهجرة الواسعة النطاق، قد ينتهي التاريخ إلى الحكم بسخاء على سياسة ميركل إذا كان تدفق السوريين وغيرهم قد كبح أزمة ألمانيا الحقيقية المتمثلة في تناقص السكان وتشيخهم، وما يتصل بذلك من مشكلة نقص العمال.
قوتان أوروبيتان كبيرتان أخريان، فرنسا وبريطانيا، لكل منهما نسبة سكان مولودين في الخارج قريبة من نسبة الولايات المتحدة—نحو 14 في المئة و16 في المئة من إجمالي السكان على التوالي. وكون أيا من الأمثلة الثلاثة ليس حالة شاذة إحصائيا يدحض مباشرة فكرة ترامب بأن أوروبا تندفع مسرعة نحو محو عرقي لذاتها—وللتوضيح، الولايات المتحدة ليست كذلك أيضا.
بالمثل، فإن الشكاوى الأميركية بشأن الإنفاق الدفاعي الأوروبي لا تقوم على أساس متين. فكما أشارت افتتاحية في صحيفة واشنطن بوست مؤخرا، فإن الولايات المتحدة نفسها بالكاد يُتوقع أن تتجاوز معيار تخصيص 3 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري في السنة المالية 2025، في الوقت الذي تطالب فيه الدول الأوروبية بأن تخصص 5 في المئة من إنتاجها للدفاع.
كما أن الزعم بأن أوروبا ينبغي أن تحذو حذو الولايات المتحدة تكذبه حقيقة أن مستويات المعيشة الأوروبية أعلى، وفق بعض المقاييس، مما هي عليه في الولايات المتحدة في عهد ترامب، وأن دولا أوروبية كثيرة تُعد اليوم أكثر حيوية ديمقراطية على نطاق واسع من حليفها القديم عبر الأطلسي الذي بات موقفه ملتبسا.
لفهم ما يجري على نحو أكمل، ينبغي تذكر كيف استخدم ترامب كراهية الأجانب والتخويف العرقي والإثني كتكتيك مركزي في صعوده الأول إلى السلطة عام 2016. فإثارة أعداد كبيرة من الناخبين حول قضايا الهوية لم تكن فقط وسيلة موثوقة لحشد الدعم، بل كانت أيضا إلهاء فعالا عن عناصر من أجندته شكلت قطيعة راديكالية مع أي سابقة حديثة.
يقود هذا إلى ما يبدو أنه هدف ترامب الحقيقي تجاه أوروبا هو دعم أجندة محافظة راديكالية أوسع وأشمل، تكون القومية القائمة على العرق رأس الحربة فيها، لكنها ليست سوى عنصر واحد ضمنها. بل إن ترامب كشف ذلك بنفسه—على نحو أخرق—حين سمح لوثيقة استراتيجية الأمن القومي بأن تعرض مصلحة واشنطن في تعزيز أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا. لقد أثار توسل ترامب إلى كراهية الأجانب ذات البعد العرقي مزيجا من الحيرة والانزعاج لدى المعلقين الأوروبيين، لكنه لم يثر مفاجأة كبيرة. والسبب أن هذه العناصر كانت منذ وقت طويل في صلب سياساته الداخلية.
لوح ترامب سابقا بالتدخل في السياسة الداخلية الأوروبية، لكن ليس بهذا القدر من الوقاحة من قبل، عبر تصريح رسمي واضح عن اصطفاف صريح مع يمين تلك القارة الراديكالي، الذي تجسد كثير من أحزابه سياسات تنطوي على معاداة السامية وتستمد الإلهام من الفاشية. وقد أثار هذا التدخل الجسور احتجاجات حادة من جهات كثيرة في أوروبا.
إذا نجح ترامب في تمرير أجندة قائمة على إعادة توجيه سياسي بهذا القدر من الراديكالية—وفوق ذلك إذا خلفه شخص مثل نائبه جاي دي فانس، الذي روج بصوت عال لمواقف متطرفة شديدة الشبه—فإن هذا التطور، أكثر من مجرد التشديد على “البياض” وحده، هو ما سيجلب رسميا موت الغرب القديم.
خلال الثورة الأميركية، ناشد بنجامين فرانكلين دعم قوى أوروبية مثل فرنسا قائلا: «نحن نقاتل دفاعا عن حريتنا من أجل حريتهم [الأوروبيين]».
السجل الديمقراطي للغرب، بطبيعة الحال، مليء بالعيوب. لكن فكرة وجود مجموعة قيم مشتركة تتمحور حول الحرية ظلت دائما جوهر ما أبقى التحالف بين الولايات المتحدة وكثير من أوروبا قائما. ومع ازدياد تبني ترامب للسلطوية على نحو أكثر وقاحة، فإن انفصال الولايات المتحدة عن هذه القيمة قد يكون ما ينسف أخيرا أي معنى مشترك لما يسميه العالم «الغرب».
لو كان فرانكلين بيننا اليوم، لربما قلب معادلته ليقول إن الأوروبيين، وهم يدافعون عن حريتهم، يأملون أن يلهموا الأميركيين للدفاع عن حريتهم هم أيضا.


