خبراء المجلس الأطلسي يوضحون ما الذي تعنيه استراتيجية ترامب للامن القومي للسياسة الخارجية الاميركية
بقلم خبراء المجلس الاطلسي
اصبحت رؤية ترامب 2.0 للعالم مكتوبة ومعلنة امام الجميع. في وقت متأخر من مساء الخميس اصدرت ادارة ترامب استراتيجيتها للامن القومي وهي وثيقة من تسع وعشرين صفحة توضح مبادئها واولوياتها في السياسة الخارجية الاميركية. تعرض الوثيقة ما تعتبره الاستراتيجية الاميركية مثلا التركيز على نصف الكرة الغربي وطرح ما يمكن تسميته الصيغة الترامبية لمبدأ مونرو. كما توضح ما لم تعد الاستراتيجية الاميركية تسعى اليه اي الاستمرار في هدف ما بعد الحرب الباردة القائم على السعي الى هيمنة اميركية دائمة على العالم كله وهو الهدف الذي تصفه الوثيقة بانه غير مرغوب فيه من حيث المبدأ ومستحيل التحقيق.
فيما يلي يتناول خبراء المجلس الأطلسي ما تتضمنه الاستراتيجية وما تغفله ثم يخرج كل منهم باهم خلاصاته.
اين تنجح الاستراتيجية واين تقصر
حتى لو لم يفكر واضعو الاستراتيجية بهذه الطريقة فان التحدي الحقيقي الذي واجهوه كان كيفية تحديث الاستراتيجية الكبرى التي اتبعتها الولايات المتحدة خلال ثمانين عاما بعد الحرب العالمية الثانية والتي كانت ناجحة في معظمها بحيث تناسب مرحلة جديدة. في هذا السياق تظهر اهم نقاط قوة الاستراتيجية الجديدة حين تعيد تاكيد المبادئ السابقة التي ما تزال صالحة للعمل وتطرح في الوقت نفسه حلولا مبتكرة للمشكلات الجديدة.
تظل الاستراتيجية تقليدية في دعمها القوي للردع النووي ولمنع القوى المعادية من السيطرة على مناطق رئيسية. وهي تدعو الى بناء تحالفات متينة في اوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ على ان يتحقق ذلك جزئيا من خلال اضطلاع الحلفاء بدور اكبر في الدفاع عن انفسهم وزيادة التنسيق في مجال الامن الاقتصادي. كما تعطي الوثيقة اولوية لتحقيق شروط اكثر حرية وعدالة للتجارة العالمية وتعميق الانخراط الاقتصادي في معظم مناطق العالم.
تطرح الاستراتيجية حلولا جديدة للتحديات المستجدة من خلال حزمة من السياسات لمعالجة الاثمان السلبية للعولمة مثل امن الحدود واعادة تنشيط التصنيع المحلي وغير ذلك اضافة الى رسم رؤية لتحقيق تفوق اميركي في سباق التسلح التكنولوجي الجديد.
اما مواطن القصور فتظهر حين ترفض الاستراتيجية مبادئ اثبتت فعاليتها في السابق مثل الترويج العملي للديمقراطية وحقوق الانسان وكذلك حين تعجز عن تعريف التحديات الجديدة بدقة والتعامل معها بوضوح فقد كان ينبغي ان تحظى التهديدات الصادرة عن الانظمة الاستبدادية التعديلية وشبكات ترابطها فيما بينها باهتمام اكبر بكثير.
ماثيو كرونيج نائب رئيس ومدير مركز سكوكروفت للاستراتيجية والامن في المجلس الاطلسي ومدير الدراسات في المجلس.
استراتيجية الامن القومي تكشف اهداف ترامب في فنزويلا
تعلن الاستراتيجية الجديدة بوضوح ان نصف الكرة الغربي اصبح اليوم اولوية الولايات المتحدة الاولى. وهذا تحول مرحب به تاخر طويلا اذ يفترض بالمصالح الاميركية ان تبدأ من الجوار القريب. تسجل الاستراتيجية على الورق ما شهدناه فعليا من ادارة ترامب حتى الان بما في ذلك الهدفان اللذان صيغ لهما شعار التجنيد والتوسع. هذا النهج يقوم عليه العمل لضبط الهجرة ووقف تمدد كارتلات المخدرات وتقليص النفوذ الاجنبي غير الصديق وتامين سلاسل التوريد الحيوية. كما يتضمن وهذا مهم تحفيز موجات جديدة من الاستثمارات الاميركية لان الاقتصادات الداخلية القوية تخدم المصلحة الاميركية المباشرة.
تتقاطع الاولويات الواردة في الاستراتيجية ومن منظور شمولي مع اولويات كثير من دول نصف الكرة الغربي مثل الامن والنمو الاقتصادي وهما المسالتان اللتان تصدرتا اهتمامات الناخبين في الانتخابات الاخيرة. في هذا السياق هناك توق ملحوظ على مستوى الاقليم لاستثمارات اميركية اكبر خاصة في البنية التحتية في مجالات الاتصالات والتكنولوجيا والموانئ وهي مجالات لم تتحقق فيها مشاركة اميركية بالحجم المطلوب. تقدم الاستراتيجية مخططا يمكن من خلاله للحكومة الفدرالية ان ترفع مستوى حضورها في هذه القطاعات الحيوية وتؤكد في الوقت نفسه الحاجة الى مقاربة تشمل مؤسسات الدولة كافة.
كما تمنح الاستراتيجية لمحة مهمة عن الهدف النهائي لادارة ترامب في فنزويلا. فبلد يوفر فيه مادورو ومحيطه ملاذا للجماعات الاجرامية ويجنون الارباح من التهريب ويستقبلون نفوذ خصوم اجانب يمثل تهديدا مباشرا للامن القومي الاميركي. ومن ثم فان النجاح في فنزويلا يعني الوصول الى حكومة ديمقراطية تشكل شريكا حقيقيا لواشنطن ضمن هدف اوسع يتمثل في توسيع شبكة الشراكات الاميركية. والتحول الاميركي نحو اعطاء نصف الكرة الغربي اولوية ضمن الصيغة الترامبية لمبدأ مونرو يشير ايضا الى ان اعادة نشر القوات الاميركية في منطقة الكاريبي ليست خطوة محددة زمنيا.
وتفصل الاستراتيجية جهدا متعدد المحاور على مستوى نصف الكرة الغربي لمواجهة نفوذ القوى الخارجية وبينها روسيا وخاصة الصين. وبالنسبة للصين يعني ذلك التعامل مع تنامي بصمتها عبر التجارة والاستثمار والدبلوماسية الناعمة والتدريب العسكري وغير ذلك. والسؤال التالي الذي يطرح نفسه هو كيف ستحدد اولويات التنفيذ وكيف ستترجم هذه الاستراتيجية على مستوى كل دولة في انحاء نصف الكرة الغربي.
جيسون ماركزاك نائب رئيس ومدير مركز ادريان ارشت لاميركا اللاتينية في المجلس الاطلسي.
الصيغة الترامبية لمبدأ مونرو تركيز منطقي على الجغرافيا الاستراتيجية
تشكل استراتيجية ترامب للامن القومي تصحيحا ضروريا لعقود من وثائق الاستراتيجية التي تجنبت فرض اختيارات صعبة على مستوى تحديد الاولويات وتوزيع الموارد فربطت الولايات المتحدة برؤية مبالغ فيها لدورها الاستراتيجي. هذه الاستراتيجية صريحة على نحو لافت بشأن الاهداف الجوهرية للولايات المتحدة وهي تامين الوطن وهو ما يستلزم امنا مستقرا في نصف الكرة الغربي ومنع القوى العظمى الخارجية من ممارسة نفوذ ضار في هذا النطاق الجغرافي. ويبدو ان الصيغة الترامبية لمبدأ مونرو الهادفة الى ضمان وصول الولايات المتحدة الى مواقع محورية في نصف الكرة الغربي مثل قناة بنما وغرينلاند وجزء كبير من منطقة الكاريبي ستشكل اعلانا صريحا في القرن الحادي والعشرين عن تركيز منطقي كان يعد فيما مضى بديهيا على الجغرافيا الاستراتيجية. وتحمل هذه الصيغة تداعيات حقيقية على صعيد الامن والمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة في الداخل. ومن المرجح ان يدفع هذا التركيز الاستراتيجي الى تخصيص موارد جديدة لبرامج الاستخبارات والجيش واجهزة انفاذ القانون وادوات الدولة الاقتصادية الموجهة نحو نصف الكرة الغربي.
اما بيان نيات الادارة تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ فيستمر على خط واحد مع ما ورد في استراتيجية الامن القومي لعام 2017 لكنه يعكس في الوقت نفسه تطورات الواقع الجيوسياسي. تؤكد الاستراتيجية التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة وبتمكين الشركاء والحلفاء الاقليميين لمواجهة ما تسميه الانشطة الخبيثة للصين. كما تعرف المنطقة بانها المسرح غير الغربي الاهم للمنافسة الجيوسياسية. والاهم ان الاستراتيجية تسعى الى رسم خط يربط بين الامن في نصف الكرة الغربي وردع بكين على نطاق اوسع بما يعكس حقيقة راسخة في التنافس الاميركي الصيني هي ان بكين تحاول اشغال الولايات المتحدة عن الحفاظ على الوضع القائم في المحيطين الهندي والهادئ عبر تحريك انشطة معادية في نصف الكرة الغربي.
واخيرا تذكر الاستراتيجية بان القوة الوطنية الاميركية اعم من ميزان القوى العسكري وحده. فهي تركز على الحاجة الى قاعدة صناعية ودفاعية قوية للحفاظ على هذا الميزان اضافة الى السعي الى الهيمنة في تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والحوسبة الفائقة. يمكن النظر الى الاستراتيجية بوصفها وثيقة تضييق لهوامش الانتشار العالمي للولايات المتحدة عبر تعريف اكثر تحديدا للاهداف مع توسيع تعريف القوة الوطنية في اتجاه اشمل ينطلق من قناعة ترامب القديمة بان الامن الاقتصادي هو نفسه امن قومي.
مجتمعة تعكس هذه الخطوط الرئيسية نهجا متماسكا وشاملا للحفاظ على القوة الوطنية الاميركية في العقود المقبلة.
الكسندر ب غراي زميل اول غير مقيم في مبادرة الجيوستراتيجية في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والامن في المجلس الاطلسي وشغل اخيرا منصب نائب مساعد الرئيس ورئيس ديوان مجلس الامن القومي في البيت الابيض.
الاستراتيجية تتجنب التعامل مع اهداف خصوم الولايات المتحدة
تحول هذه الاستراتيجية انماط السياسات الرئيسية الى مجموعة من الاولويات المعلنة للادارة لكنها تترك في الوقت نفسه ثغرات استراتيجية كبيرة بشأن الكيفية التي ستتعامل بها الولايات المتحدة مع تاثير الخصوم على امكان تحقيق هذه الاهداف او ما اذا كانت ستتعامل معه اصلا.
في ما يخص روسيا تشير الاستراتيجية الى ان اوروبا تنظر الى موسكو باعتبارها تهديدا وجوديا لكنها لا تتضمن معالجة جادة لطبيعة التهديد الذي تشكله روسيا على قدرة الولايات المتحدة على تحقيق اهدافها الاقتصادية والناعمة والعسكرية ليس في اوروبا فحسب بل على امتداد العالم. تظهر الولايات المتحدة في الوثيقة اشبه بالحكم بين روسيا واوروبا اكثر من كونها هدفا لتركيز روسي يكاد يكون منصبا حصرا على اضعاف نفوذها وتقليص قدرتها على اسقاط القوة. ورغم ان تركيز الاستراتيجية على افريقيا تطور مرحب به الا انها لا تقر بان روسيا والصين تعملان عمليا على تعطيل معظم الاهداف الاميركية في القارة.
تعترف الاستراتيجية بدور ايران بوصفها منبع زعزعة استقرار رئيسيا على مستوى الاقليم لكنها تتعامل مع ما تسميه مشكلة طهران كما لو انها اصبحت من الماضي. هذا ما يمكن الامل فيه لكنه لا يلغي ان الشرق الاوسط اثبت لجميع الادارات الاميركية المتعاقبة ان على الولايات المتحدة البقاء يقظة في الاقليم. في هذا السياق ينبغي مراقبة نفوذ ايران في لبنان وسوريا واليمن والعراق وغزة وغيرها عن كثب حتى في الوقت الذي تمضي فيه الادارة قدما في اجندتها الاقليمية القائمة على الاستثمار. وبالمثل لا تذكر كوريا الشمالية بالاسم في الاستراتيجية مع ان بيونغ يانغ تكاد تكون مؤكدة السعي الى لفت الانظار العالمية خلال السنوات الثلاث المقبلة.
من المرجح ان يكون تخفيض الاستراتيجية لشان اهداف الخصوم خطوة مقصودة في محاولة للاعلان عن فصل جديد تسعى فيه الولايات المتحدة الى التحرر من كثير من المزعجات الاستراتيجية التي وسمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة والانطلاق نحو اجندة اكثر جرأة قائمة على المصالح. غير ان الواقع يبقى ان خصوم الولايات المتحدة لا يريدون لهذه الاستراتيجية ان تتحقق سواء سمتهم واشنطن ام لم تسمهم وبناء عليه يجب ان تواصل الاستراتيجية الاميركية مراعاة هذه العوامل بصورة منهجية.
تريسا غينوف مديرة البرامج والعمليات وزميلة ارشادية في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والامن في المجلس الاطلسي وكانت سابقا نائبة مساعد وزير الدفاع لشؤون الامن الدولي في مكتب وكيل الوزارة للسياسة في وزارة الدفاع الاميركية.
الاستراتيجية تقدم حزمة غير متسقة لكنها قابلة للعمل
يبدو ان الاستراتيجية الجديدة تجمع بين مجموعة من العناصر هي
• طبقة من التعب ورد الفعل بعد تجربتي العراق وافغانستان يمكن وصفها بانها النسخة اليمينية عن خطاب عودي الى الوطن يا اميركا الذي ساد في اوساط الديمقراطيين بعد حرب فيتنام في اوائل السبعينيات
• تموضع ايديولوجي موجه خاصة ضد اوروبا ويتضمن بعدا حزبيا واضحا في دعم احزاب توصف بالوطنية بما يفهم منه غالبا الاحزاب القومية والنافية للاخر
• دعوة الى ما يشبه اميركا الحصن اذ تشير الوثيقة الى الصيغة الترامبية لمبدأ مونرو في معناها الراغب في منع قوى خارجية مثل الصين من ترسيخ نفوذ اقتصادي في نصف الكرة الغربي
• تاكيد قوي على مصالح الولايات المتحدة في التصدي للضغط الاقتصادي الصيني وتشويه قواعد التجارة العالمية اضافة الى التوسع الصيني ويتضمن القسم المخصص لآسيا لغة صريحة حول عدم تغيير الوضع القائم في تايوان والكثير من الكلام عن حماية سلاسل الجزر في غرب المحيط الهادئ
• لغة تبدو قابلة للعمل في ما يخص السياسة الاقتصادية من حيث التركيز على منع الهيمنة الاجنبية على الموارد والتقنيات الحيوية والحد من استغلال التجارة الدولية لمصلحة قوى خارجية
• لغة متناقضة واحيانا غريبة وفي اغلب الاحيان توفيقية في ما يخص اوروبا تجمع بين عداء حزبي للسياسات السائدة في القارة واعتراف متردد لكنه مرحب به بان الولايات المتحدة تحتاج الى العمل مع اوروبا
تظل الاستراتيجية ضعيفة في مقاربة روسيا اذ تذكرها حصرا في سياق اوروبي لكنها تدعو الى وقف الاعمال القتالية في اوكرانيا بما يبقيها دولة قابلة للحياة وتصف ذلك بانه مصلحة جوهرية للولايات المتحدة. هذا غير كاف في ضوء رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الانخراط في الجهود الاميركية لانهاء الحرب لكنه مع ذلك مستوى يسمح ببناء سياسة واقعية اذا قرر فريق ترامب الضغط على موسكو لتحقيق هذه المصلحة الجوهرية.
يمتزج العداء الايديولوجي لاوروبا في الاستراتيجية مع مرارة مستترة من التوسع المفرط للدور الاميركي ومع ازدراء عام لخطاب القيم ونتيجة ذلك دفع الولايات المتحدة الى الانسحاب من قيادة العالم الحر بل ومن فكرة العالم الحر نفسها. وفي المقابل تعترف اجزاء اخرى من الاستراتيجية بان الولايات المتحدة تحتاج الى اصدقائها ومن ضمنهم اوروبا لمواجهة خصومها وخاصة الصين. وهذا ما يخلق تناقضا داخليا واضحا في الوثيقة يمكن مع ذلك في نظر الممارس العملي للسياسة ان يشكل فرصة للبناء على العناصر الافضل في الاستراتيجية.
دانيال فريد زميل مميز في المجلس الاطلسي من عائلة فيزر وشغل سابقا منصب المساعد الخاص والمدير الاول في مجلس الامن القومي للرئيسين بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وسفيرا في بولندا ومساعدا لوزير الخارجية لشؤون اوروبا.
استراتيجية الامن القومي تتعلق بترتيبات الاقتصاد السياسي بقدر ما تتعلق بالامن القومي
استراتيجية الامن القومي في ادارة ترامب الثانية هي في الوقت نفسه استراتيجية للاقتصاد السياسي الخارجي واستراتيجية امن قومي اذ تبرر النزعة الدولية للولايات المتحدة قبل كل شيء بالمصالح الاقتصادية خصوصا في نصف الكرة الغربي وفي الوقت ذاته تؤكد وبصورة قد تبدو مفاجئة لمن يقلقهم دمج وكالة التنمية الدولية في وزارة الخارجية على اهمية القوة الناعمة.
تعيد الاستراتيجية صياغة السياسة الخارجية على اساس اهداف تقليدية للاقتصاد السياسي مثل الحفاظ على سلاسل توريد آمنة وضمان الوصول الى المواد الخام وحماية اسواق التصدير الاميركية وتامين هيمنة الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا والقدرات الصناعية. والمساعدات الدولية لا يجري رفضها لكنها لا تعرض كاداة لالتزام انساني او لتقديم منافع عامة عالمية بل ينظر اليها على انها ذات مغزى حين تسهم في حماية المصالح الاميركية او دفعها الى الامام.
يبدو هذا المنطق باردا لكنه يعكس في الواقع ما يفترض كثيرون في الجنوب العالمي انه الحقيقة الفعلية لكل اشكال المساعدة الخارجية وهو ايضا المنطق الذي جرى به تبرير هذا الانفاق امام الراي العام الاميركي طوال عقود. فحتى حين تقدم الولايات المتحدة مساعدات غذائية يجري الحديث عنها داخليا بوصفها دعما للمزارعين الاميركيين او مساهمة في استقرار عالمي يضمن في النهاية امن الاميركيين ورفاههم. وتشير الاستراتيجية كذلك الى خطط لتوسيع استخدام اداتين مركزيتين في ترسانة التنمية الاميركية هما مؤسسة تمويل التنمية ومؤسسة تحدي الالفية خاصة في نصف الكرة الغربي في تراجع واضح عن النزعة التي قادتها وزارة ما يسمى كفاءة الحكومة ضد برامج التنمية.
جيمس مازاريلا زميل اول في مركز الحرية والازدهار في المجلس الاطلسي وعمل بين عامي 2017 و2019 في مجلس الامن القومي في البيت الابيض وفي المجلس الاقتصادي الوطني حيث شغل اولا منصب مدير التنمية الدولية ثم المدير الاول للاقتصاد العالمي والتنمية.
كيمبرلي دونوفان مديرة مبادرة الاقتصاد السياسي في مركز الاقتصاد الجغرافي في المجلس الاطلسي وعملت سابقا مديرة مساعدة بالوكالة لقسم الاستخبارات في شبكة مكافحة الجرائم المالية في وزارة الخزانة الاميركية.
معاملة الادارة لاوروبا تقوض مصالحها هي نفسها
طوال عام 2025 كان الهدف المعلن لادارة ترامب في اوروبا هو نقل عبء الدفاع التقليدي الى عاتق الحلفاء الاوروبيين. وقد حققت الادارة نجاحا في قمة لاهاي حين دفعت حلفاء الناتو الى الالتزام بهدف طموح يتمثل في تخصيص 5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي للانفاق الدفاعي بحلول عام 2035. لكن الاستراتيجية كما هي اليوم لا تسهم في الواقع في تعزيز امن الولايات المتحدة القومي وفق التعريف الذي تتبناه الادارة نفسها على المسرح الاوروبي.
فمن خلال تقليل شأن التهديد التقليدي الذي تمثله روسيا للامن عبر الاطلسي وحتى الامتناع عن ذكره صراحة لا تمنح الاستراتيجية قوة دفع للدول التي تحاول تحمل مسؤوليات دفاعية اكبر بل تميل الى تشجيع الاحزاب القومية والشعبوية مثل البديل من اجل المانيا وهي القوى الاكثر ميلا الى خفض ميزانيات الدفاع والتقليل من شان التهديدات التقليدية التي شكلت تاريخيا سببا للاعتماد على الولايات المتحدة. بهذا المعنى تصبح الاستراتيجية هدفا عكسيا يقوض الاهداف المعلنة للادارة نفسها في ما يتعلق بما تريد تحقيقه مع الحلفاء الاوروبيين.
توري تاوسيغ مديرة وزميلة ارشادية في مبادرة الامن عبر الاطلسي في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والامن في المجلس الاطلسي وعملت سابقا مديرة للشؤون الاوروبية في مجلس الامن القومي.
في افريقيا تركيز على التجارة وسياسة امنية اكثر تدخلا
على صعيد افريقيا يظل القسم المخصص في الوثيقة محدودا في نصف صفحة تقريبا في نهاية الاستراتيجية وهذا ليس مفاجئا. فهو يعيد تكرار الخطوط العريضة لنهج ادارة ترامب تجاه افريقيا كما صاغه مشروع 2025 قبل انتخاب ترامب مع رفض واضح لما يسميه الايديولوجيا الليبرالية ثم كما عرضه تروي فيترل كبير مسؤولي مكتب الشؤون الافريقية في وزارة الخارجية في خطابات له في ابيدجان ولواندا بعد انتخاب ترامب.
بعد اغلاق الوكالة الاميركية للتنمية الدولية في تموز حولت الاستراتيجية العلاقة الاميركية الافريقية من منطق المساعدات الى منطق التجارة والاستثمار اذ تشير الولايات المتحدة الى تركيز اكبر على التجارة والتعدين خصوصا المعادن الحرجة واستثمارات الطاقة في الدول الافريقية مع عزمها دعم نمو القطاع الخاص وتوسيع امكان الوصول الى الاسواق.
في مجال الامن تبدو درجة التطور في نهج الادارة اكبر حيث تميل اكثر الى سياسة تدخلية. فقد بدأت هذا التحول في شباط عبر ضربات كبيرة في الصومال استهدفت قائدا من الفرع المحلي لتنظيم الدولة الاسلامية. وتؤكد الاستراتيجية ان مكافحة ما تسميه عودة النشاط الارهابي الاسلامي في اجزاء من افريقيا تظل اولوية. وبما ان الامن مرتبط بالتجارة ستكون اتفاقية السلام التاريخية التي وقعت امس في معهد الولايات المتحدة للسلام بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية بهدف انهاء حرب استمرت ثلاثة عقود وادت الى مقتل ملايين بمثابة منصة ايضا لتعزيز المصالح التجارية الاميركية. ويبدو ان الادارة ستتجه بعد ذلك الى السودان والابادة الجماعية الجارية في دارفور.
مع ذلك لا تذكر الاستراتيجية حدثين بارزين شكلا هذا العام علامة فارقة في العلاقات الاميركية الافريقية هما تصاعد التوتر مع اكبر اقتصادين في القارة اي جنوب افريقيا ونيجيريا. وتبدو هذه النزاعات مدفوعة في جوهرها باعتبارات داخلية مثل حماية المسيحيين والافريكانيين واسرائيل اكثر مما هي ناتجة عن منافسة مع الصين على النفوذ في افريقيا الامر الذي يذكرنا بان اي نشاط خارجي في ظل ترامب يسترشد في النهاية بمبدأ اميركا اولا.
راما ياد المديرة الاولى لمركز افريقيا في المجلس الاطلسي.
استراتيجية الامن القومي تبعث اشارات واضحة الى الاصدقاء والخصوم في المحيطين الهندي والهادئ
الوثائق الاستراتيجية العلنية للحكومة الاميركية تهم في المقام الاول بما تبعثه من اشارات الى الاصدقاء والخصوم اكثر مما تهم بقدرتها على تغيير السلوك الفعلي لواشنطن. نص هذه الاستراتيجية يبدو موجها لجمهور داخلي لكن كلماتها تقرأ بعناية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ حيث سمح فرق التوقيت بنشر تحليلات اولية محلية بينما كانت واشنطن نائمة.
حظيت الفقرات المتعلقة بالصين وتايوان باكبر قدر من الاهتمام. فقد راى بعض المعلقين ان الانتقال من صيغة الاستراتيجية السابقة التي تقول بمعارضة اي تغيير احادي الجانب للوضع القائم في مضيق تايوان الى صيغة عدم دعم اي تغيير احادي الجانب يعبر عن تليين في الموقف رغم ان الوثيقة الجديدة تصفه بانه استمرار لسياسة اعلانية راسخة. ومن يشعر بالقلق عليه التوقف اكثر عند العبارة الحاسمة الداعية الى تعزيز قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على منع اي محاولة للاستيلاء على تايوان او فرض توازن قوى غير موات الى حد يجعل الدفاع عن الجزيرة مستحيلا. هذه لغة اشد مما ورد في اي استراتيجية سابقة حول الدفاع عن تايوان. والاهم هو السياق الاخير المتمثل في توقيع الرئيس قانون تنفيذ ضمانات تايوان والاعلان عن صفقة مبيعات اسلحة متقدمة بقيمة 330 مليون دولار للجزيرة.
وبالمثل تبدو مخاوف كوريا الجنوبية من ان كوريا الشمالية ذكرت سبع عشرة مرة في الاستراتيجية الاولى لادارة ترامب بينما لا تذكر الآن غير مبررة. فمن الواضح ان ملف بيونغ يانغ لم يعد يتصدر جدول اعمال واشنطن منذ قمة هانوي المتعثرة عام 2019 غير ان الولايات المتحدة تعزز تحالفها مع سيول وتبقى ثابتة على سياسة الردع في مواجهة تهديدات الشمال. قد يطمئن كيم جونغ اون الى غياب اللغة الانشائية المعتادة حول نزع السلاح النووي لكنه سيكون مخطئا اذا اعتبر ذلك تنازلا.
اقلّه في ما يخص منطقة المحيطين الهندي والهادئ ينبغي للاصدقاء والخصوم على السواء قراءة الاشارات الواضحة في الاستراتيجية فواشنطن ملتزمة بتعزيز الردع الموسع في الاقليم مع تذكير شركائها في المنطقة بان عليها زيادة مساهماتها العسكرية في هذا الردع.
ماركوس غارلاوسكاس مدير مبادرة امن المحيطين الهندي والهادئ في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والامن في المجلس الاطلسي وخدم لعقدين في الحكومة الاميركية كضابط استخبارات وخبير استراتيجي.
تركيز على السيادة الوطنية والمصالح التجارية
كما كان متوقعا تمزج الاستراتيجية الجديدة بين رؤية تقليدية لاهمية القوة الاميركية وبين تشديد واضح على السيادة الوطنية والمصالح التجارية بوصفها المحرك الاساسي للانخراط الدولي. وللمرة الاولى منذ عقود يتقدم نصف الكرة الغربي في سلم الاولويات مع هدف استراتيجي معلن هو الحد من الهجرة الجماعية. وينظر الى امن الحدود باعتباره ركنا اساسيا من اركان الامن القومي وهو طرح يوافق عليه معظم الاميركيين حتى لو اختلفوا في كيفية تطبيق قوانين الهجرة داخليا. كما تخصص الاستراتيجية مساحة اكبر لآسيا في النص مقارنة باوروبا والشرق الاوسط وافريقيا مجتمعة.
اما مكافحة الارهاب التي ستخصص لها قريبا استراتيجية وطنية مستقلة فلا تكاد تذكر الا لماما غير ان المسودات الاولية لاستراتيجية مكافحة الارهاب ترسم تصورا يجعل من الارهاب العالمي مشكلة يمكن ان تتعامل معها الحكومات الوطنية بنفسها مع حاجة محدودة للدعم الخارجي. اذا تحقق هذا التصور فسيشكل تطورا مهما يعود بالفائدة على الولايات المتحدة وشركائها في مكافحة الارهاب في انحاء العالم.
توماس اس واريك زميل اول غير مقيم في مبادرة سكوكروفت للامن في الشرق الاوسط وكان نائبا لمساعد وزير الامن الداخلي لسياسات مكافحة الارهاب.
طموحات ترامب في هيمنة الطاقة والتكنولوجيا تحتاج تركيزا اكبر على المرونة
تعرض استراتيجية 2025 طموحات واضحة للولايات المتحدة في مجال الهيمنة على الطاقة والصناعة والتكنولوجيا. لكن ضمان نجاح طويل الامد في هذه المجالات يتطلب في تقديري تركيزا اشد على بناء المرونة سواء في البنية التحتية او في الانظمة المالية.
فالبنية التحتية الحديثة القادرة على الصمود هي اساس شبكات طاقة وتكنولوجيا موثوقة. ومن دون شبكات كهرباء قوية وسلاسل توريد متماسكة وانظمة اتصال متينة تبقى طموحات بناء مفاعلات نووية متقدمة وتطوير ابتكارات قائمة على الذكاء الاصطناعي وتحقيق موقع قيادي في التصدير طموحات هشة. وفي هذا السياق يكتسب الاستثمار في هذه البنية التحتية وادماج انظمة احتياطية قادرة على مقاومة الكوارث اهمية مركزية لمنح اهداف الهيمنة في مجالي الطاقة والتكنولوجيا قدرا حقيقيا من الاستدامة.
بالتوازي يشكل توسيع الوصول الى الفرص التمويلية ورأس المال خاصة في مشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة والتكنولوجيا الناشئة اداة لتعزيز الشمول الاقتصادي وتحفيز الابتكار المحلي على نطاق واسع. استراتيجية تجعل من تعزيز المرونة والتمكين المالي محورين رئيسيين ستكون قادرة ليس فقط على تعظيم المكاسب القصيرة الامد بل على ترسيخ القوة والقدرة والاستقرار لعقود مقبلة.
خورخي غاستيلومندي المدير الاول لمركز المرونة المناخية في المجلس الاطلسي.
تحول كبير في طريقة صياغة واشنطن للتنافس مع بكين
من اللافت ان هذه الاستراتيجية تقدم الصين بوصفها شريكا اقتصاديا محتملا اكثر مما تقدمها كخصم اذ تتعهد بالسعي الى علاقة اقتصادية حقيقية متبادلة المنفعة مع بكين بينما كانت الاستراتيجية السابقة تصف الصين بانها خصم قائم على اختلاف القيم يسعى الى خلق ظروف اكثر ملاءمة لنموذجه الاستبدادي.
لماذا تعد الصين خصما اصلا يمكن اجمال الجواب في سببين رئيسيين اولهما ان صعودها يتحدى المصالح الاقتصادية والامنية للولايات المتحدة وثانيهما ان بكين تعمل على استبدال النظام الدولي القائم على القواعد بنظام يتيح مساحة اكبر لنموذجها السلطوي. الاستراتيجية الحالية توضح ان ادارة ترامب ترى التنافس الاميركي الصيني تنافسا على المصالح لا صراعا بين منظومات قيمية.
فهي لا تدين استبداد الصين ولا حتى تسميه ولا تمنح اي اولوية لاصلاحات ديمقراطية داخلية في الصين بل تركز على ردع نزاع محتمل حول تايوان لاسباب استراتيجية واقتصادية لا من اجل حماية ديمقراطيتها. وهذا يمثل تحولا كبيرا في كيفية اطار واشنطن لمنافستها مع بكين اذ تعد هذه المرة الاولى منذ استراتيجية عام 1988 الصادرة في زمن التفاؤل باصلاح الصين وانفتاحها على العالم التي لا تتضمن فيها الوثيقة دانة صريحة لنظام الحكم في الصين ولا تعبيرا عن نية في الدفع نحو اصلاح ديمقراطي هناك.
كارولين كوستيلو مساعدة مدير في مركز الصين العالمي في المجلس الاطلسي.
على الجناح الشرقي للناتو الرد على تحول الاولويات الاميركية بمزيد من الاعتماد على الذات والتعاون الاوروبي
تشير الاستراتيجية الجديدة الى اعادة ترتيب كبرى في اولويات الولايات المتحدة العالمية الامر الذي يحمل تبعات مهمة على اوروبا كلها بما في ذلك دول وسط وشرق وجنوب القارة وهي منطقة ورد ذكرها ضمن واحدة من الاولويات السبع المخصصة لاوروبا. الرسالة الواضحة ان واشنطن تحض الحلفاء الاوروبيين على تحمل عبء الدفاع التقليدي فيما تحتفظ الولايات المتحدة بدور اكثر محدودية يتمحور في الغالب حول الردع النووي.
بالنسبة لدول الجناح الشرقي للناتو يثير هذا التحول مخاوف مشروعة. فمع استمرار الحرب في اوكرانيا واستمرار الضغط الروسي يمكن ان يؤدي تراجع الانخراط الاميركي الى اضعاف احساس الموثوقية الذي يقوم عليه مبدأ الدفاع الجماعي وبخاصة المادة الخامسة من ميثاق الحلف.
في الوقت نفسه يدفع هذا التحول اوروبا بما في ذلك دول الجناح الشرقي الى اعادة تقييم فكرة الاستقلالية الاستراتيجية بما يعنيه ذلك من زيادة الاستثمار في القدرات الدفاعية وتعزيز التعاون الاقليمي وربما تسريع وتيرة التحديث والاصلاح المؤسسي. وبالنسبة لرومانيا ينسجم هذا الاتجاه مع الاهداف الواردة في استراتيجيتها الجديدة للامن القومي التي قدمها الرئيس نيكوسور دان ووافق عليها البرلمان الشهر الماضي.
غير ان هذا الانتقال محفوف بالصعوبات. فاختلاف تصورات التهديد بين الولايات المتحدة واوروبا في ملفات مثل روسيا والصين والهجرة والتغير المناخي يمكن ان يضعف تماسك الحلف ويقلل من القدرة على التنبؤ. وقد يفرض هذا التحول الاستراتيجي على رومانيا وجيرانها فترة من تحمل مسؤولية اكبر والتكيف مع واقع جديد ما يستدعي مزيدا من الاعتماد على الذات وتعميق التعاون بين الدول الاوروبية واعادة تقييم ديناميات الامن الاقليمي في ظل حالة من عدم اليقين تحيط بضمانات الامن عبر الاطلسي على المدى البعيد.
اليكس سيربان مدير مكتب المجلس الاطلسي في رومانيا وزميل سابق في مبادرة الامن عبر الاطلسي في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والامن في المجلس الاطلسي.
سياسة التجارة والرسوم الجمركية تعرض اهداف الاستراتيجية الجديرة للخطر
قرار ادارة ترامب تأطير التحدي الصيني على انه تحد اقتصادي خطوة يمكن الترحيب بها. فالادارات المتعاقبة فشلت في كثير من الاحيان في ادراك حجم الضرر الذي الحقه نمط الممارسات الاقتصادية الصينية بالقطاعات الصناعية والعمال في الولايات المتحدة وفي السماح لبكين بتضييق الفجوة التكنولوجية معها بسرعة. وفي هذا السياق يعد التركيز على مكافحة الدعم الحكومي الصيني وممارساته التجارية غير العادلة وعلى تامين سلاسل التوريد العالمية وعلى توسيع التجارة مع دول الجنوب العالمي التي تصفها الاستراتيجية بانها من اكبر ساحات المعارك الاقتصادية في العقود المقبلة تركيزا في محله. وواقع ان الصين ضاعفت صادراتها الى الدول منخفضة الدخل بين 2020 و2024 كما تشير الوثيقة يمثل بالفعل تحديا ينبغي لواشنطن التعامل معه بجدية. كما ان اعلان الاستراتيجية ان على الولايات المتحدة العمل مع الحلفاء والشركاء الذين تمثل اقتصاداتهم مجتمعة مع الاقتصاد الاميركي نصف الناتج العالمي بغية مواجهة الممارسات الاقتصادية الافتراسية في اشارة واضحة الى الصين موقف سليم من حيث المبدأ.
غير ان المشكلة التي يعود جزء كبير منها الى البيت الابيض نفسه هي ان كثيرا من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها باتوا اقل ثقة بقدرة واشنطن على صنع سياسة اقتصادية وتجارية يمكن التنبؤ بها. يعود ذلك بدرجة واسعة الى سياسة الرسوم الجمركية الفوضوية وربما المخالفة للقانون التي يعتمدها الرئيس والتي ستنظر فيها المحكمة العليا في قضية قد تحمل عواقب اقتصادية ودبلوماسية كبيرة. ويظهر استطلاع لمركز بيو للابحاث اجري في وقت سابق من هذا العام ان غالبية الدول باتت ترى في الصين القوة الاقتصادية الاولى في العالم بنسبة 41 في المئة مقابل 39 في المئة للولايات المتحدة وهو انقلاب واضح مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عامين فحسب. واللافت ان هذا الاستطلاع سبق اعلان ترامب في يوم التحرير في الثاني من نيسان عن رسوم جمركية عالمية شاملة غير مسبوقة ومن المرجح ان تكون الصورة قد مالت اكثر لصالح الصين منذ ذلك الحين الامر الذي يدفع بعض الدول الى تعميق شراكات اقتصادية مع خصوم الولايات المتحدة.
الهند مثال على ذلك اذ لا تذكر في الاستراتيجية سوى اربع مرات مقابل واحد وعشرين ذكرا للصين. فبعد ان نظر اليها طويلا بوصفها ثقلا موازنا رئيسيا للصين وسعى رؤساء اميركيون متعاقبون الى تحسين العلاقات معها اصبح هذا المسار مهددا اليوم. ففرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المئة على الهند جزئيا بسبب شرائها النفط والغاز الروسيين في حين تلقت الصين معالجة اخف رغم شرائها كميات اكبر من منتجات الطاقة الروسية اثار استياء نيودلهي ويبدو انه يدفعها اليوم الى محاولة تحسين علاقاتها مع بكين.
يشير لقاء القمة رفيع المستوى في آب بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال اول زيارة للاخير الى الصين منذ سبع سنوات الى هذا التحول. كما ان الترحيب الحار الذي لقيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي هذا الاسبوع يعد بدوره مؤشرا على ان استراتيجية الامن القومي الاميركية التي تعتمد على الحلفاء والشركاء في مواجهة التهديدات العالمية تتعرض للتقويض بفعل سياسات التجارة والرسوم الجمركية الاميركية ذاتها.
دكستر تيف روبرتس زميل اول غير مقيم في مركز الصين العالمي ومبادرة امن المحيطين الهندي والهادئ في المجلس الاطلسي وعمل سابقا لاكثر من عقدين رئيسا لمكتب الصين ومحررا لاخبار آسيا في مجلة بلومبرغ بيزنس ويك في بكين.
للوصول الى اهداف القيادة التكنولوجية تحتاج الادارة الى الاستثمار في البحث العلمي
تؤكد الاستراتيجية على نحو صائب ان الريادة في التقنيات الناشئة مسألة جوهرية للامن القومي الاميركي. فهي تقر بان الامن القومي لا يقوم على القوة العسكرية وحدها بل يحتاج الى قاعدة اقتصادية متينة. وبناء على ذلك تمنح اهتماما كبيرا للاستثمارات الضرورية في الاقتصاد الاميركي والقوى العاملة والبنية البحثية بما يتيح للولايات المتحدة القيادة في التقنيات الحرجة والحفاظ على تفوقها العسكري.
كما تعترف الاستراتيجية بالتكنولوجيا كاداة للتعاون والنفوذ وهي اداة استخدمتها الصين بمهارة على المستوى العالمي. مع ذلك تعجز الوثيقة عن وضع اطار واضح لمستوى الصادرات التكنولوجية وبناء القدرات المطلوبة لمواجهة النفوذ الصيني على نطاق واسع.
وفي اللحظة التي تتحرك فيها الادارة لتطبيق هذه الرؤية يهدد التخفيض المقترح في الانفاق الفدرالي على البحث والتطوير بمقدار 44 مليار دولار بتقويض الرؤية نفسها وتقليص الاسس التي تقوم عليها القيادة التكنولوجية الاميركية.
تيس دي بلانك نولز المديرة الاولى لبرامج التكنولوجيا في المجلس الاطلسي وعملت سابقا مستشارة اولى لسياسات الذكاء الاصطناعي في مكتب البيت الابيض لسياسات العلوم والتكنولوجيا.


