في حلقة من بودكاست معهد كارنيجي، يناقش آرون ديفيد ميلر وضيفاه التحول المتسارع في نظرة الأميركيين إلى إسرائيل، وينطلقون من حقيقة أصبحت يصعب التعامل معها كاضطراب مؤقت: صورة إسرائيل ومصداقيتها داخل الولايات المتحدة تراجعتا إلى مستوى غير مسبوق. وتشير بيانات عرضتها الحلقة إلى أن 60 في المئة من البالغين الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مع ارتفاع هذه النسبة بصورة أوضح بين الشباب*. كما ازداد انتقاد إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي والكونغرس، وبدأت المواقف السلبية تظهر، وإن بدرجة أبطأ، داخل القاعدة الجمهورية أيضًا.
الحجة الأساسية ليست أن التحالف الأميركي–الإسرائيلي يوشك على الانهيار. الروابط العسكرية والأمنية والاستخباراتية، وشبكات النفوذ داخل الكونغرس، والالتزامات المتراكمة بين الدولتين، لا تزال قوية. لكن الطبقة التي تحمل هذا التحالف سياسيًا واجتماعيًا بدأت تتآكل. كانت إسرائيل في السابق قضية تحظى بتوافق حزبي واسع، أما اليوم فقد أصبحت جزءًا من الاستقطاب الأميركي الداخلي، ومحل خلاف متزايد بين الأجيال وداخل الحزبين.
تفسر الحلقة هذا التحول من خلال تفاعل عدة عوامل. أولها حرب غزة وما ارتبط بها من أعداد مرتفعة من الضحايا والدمار وصور المعاناة المدنية، وهي صور أثرت خصوصًا في الناخبين الشباب الذين لا يحملون الذاكرة التاريخية نفسها التي شكلت موقف الأجيال الأميركية الأكبر من إسرائيل. وثانيها سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية وشخص بنيامين نتنياهو، الذي أصبح في الوعي الأميركي مرتبطًا بالاستيطان والحرب والصدام مع الإدارات الأميركية، أكثر من ارتباطه بصورة الحليف الديمقراطي التقليدي.
لكن غزة لا تفسر كل شيء. فالتحول مرتبط أيضًا بتغير المجتمع الأميركي نفسه. الناخبون الأصغر سنًا أكثر تنوعًا عرقيًا وأقل ارتباطًا بالمؤسسات الدينية والحزبية التقليدية، وينظر كثير منهم إلى الصراع من خلال مفاهيم القوة والاحتلال وحقوق الإنسان، لا من خلال سردية الحرب الباردة أو التحالف الاستراتيجي. ومع دخول مرشحين شباب إلى الانتخابات التمهيدية في الحزبين، لم تعد معارضة بعض السياسات الإسرائيلية تكلفة سياسية مؤكدة كما كانت سابقًا.
يتجلى التآكل بصورة أكبر داخل الحزب الديمقراطي. فقد انتقل الجدل من انتقاد حكومة إسرائيل إلى مساءلة طبيعة الدعم الأميركي نفسه: شروط المساعدات العسكرية، استخدام الأسلحة الأميركية، الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومسؤولية واشنطن عن سياسات حليفها. هذا لا يعني أن الحزب تبنى موقفًا مناهضًا لإسرائيل، لكنه يعني أن الدعم غير المشروط لم يعد الموقف الطبيعي الوحيد داخله.
الأكثر دلالة هو ظهور تصدعات محدودة داخل الحزب الجمهوري. ما تزال غالبية الجمهوريين مؤيدة لإسرائيل، لكن هذا التأييد لم يعد متجانسًا. فبعض التيارات الشعبوية والانعزالية داخل حركة «أميركا أولًا» تسأل لماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تتحمل تكاليف حروب حلفائها. كما أن الانتقادات العلنية التي وجهها دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس إلى نتنياهو تتجاوز في بعض جوانبها اللغة التي استخدمتها إدارات أميركية سابقة.
مع ذلك، يجب التمييز بين تراجع شعبية إسرائيل وتراجع التحالف نفسه. الرأي العام قد يتغير بسرعة أكبر من السياسة الخارجية، والمؤسسات الأميركية قادرة على حماية التزامات قد لا تحظى بالحماسة الشعبية السابقة. كما أن تصاعد معاداة السامية قد يدفع بعض المنتقدين إلى التراجع أو إلى التشديد على الفصل بين نقد إسرائيل واستهداف اليهود. لذلك لا تقدم الحلقة مسارًا خطيًا تنتهي عنده الولايات المتحدة بالتخلي عن إسرائيل.
المشكلة الأعمق أن إسرائيل تخاطر بخسارة الأجيال التي ستدير السياسة الأميركية لاحقًا. يمكن للحكومات الإسرائيلية تجاوز خلاف مع رئيس أميركي، أو إصلاح علاقة متوترة مع إدارة معينة. لكن إصلاح قطيعة ثقافية وأخلاقية مع فئات عمرية وحزبية واسعة أصعب بكثير. حين تتحول إسرائيل من حليف يحظى بتعاطف تلقائي إلى دولة يجب الدفاع عن كل سياسة من سياساتها، تكون طبيعة العلاقة نفسها قد بدأت تتغير.
لهذا فإن السؤال «هل تخسر إسرائيل أميركا؟» قد يكون مبالغًا فيه إذا فُهم باعتباره انهيارًا قريبًا للتحالف، لكنه دقيق إذا كان المقصود خسارة الإجماع الأميركي القديم. إسرائيل لم تخسر الدولة الأميركية بعد، لكنها بدأت تخسر قسمًا متزايدًا من المجتمع الأميركي، وخصوصًا الشباب والديمقراطيين، مع بوادر تغير داخل اليمين. وهذا تحول بنيوي طويل الأمد، لا مجرد أزمة علاقات عامة يمكن تجاوزها بحملة إعلامية أفضل.

