استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة كارثة أخلاقية واستراتيجية
الحرب الوحيدة التي يبدو أن البيت الأبيض مستعد لها هي الحرب الثقافية
بقلم كوري شاكي، مديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاع في معهد أمريكان إنتربراير
استراتيجية الأمن القومي التي أعلنت عنها إدارة ترامب ليست استراتيجية أصلا. فعلى الرغم من نبرتها المتعالية المتكلفة وهي تشرح أن «الاستراتيجية هي خطة ملموسة وواقعية تبين الصلة الجوهرية بين الغايات والوسائل»، فإن الوثيقة التي صدرت في 5 ديسمبر، لا ترقى إلى المعيار الذي تدعيه. فهي ليست سوى بيان قيم. وهذه القيم في جوهرها، تخريب لما جعل الولايات المتحدة الأمريكية قوية وآمنة ومزدهرة.
تضع الوثيقة أول مصلحة حيوية للولايات المتحدة في السعي إلى ضمان أن يظل نصف الكرة الغربي مستقرا على نحو معقول ومحكوما بما يكفي لمنع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة وردعها، ثم تطرح على نحو يثير السخرية «ملحق ترامب» على مبدأ مونرو، من دون أن تشرح أصلا ما المقصود بذلك.
أما أولوياتها الأخرى فهي «وقف الضرر المتواصل الذي يلحقه فاعلون أجانب بالاقتصاد الأمريكي وعكسه»، و«دعم حلفائنا في الحفاظ على حرية أوروبا وأمنها»، و«منع قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط»، و«ضمان أن تقود التكنولوجيا الأمريكية والمعايير الأمريكية، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية والحوسبة الكمية، العالم إلى الأمام».
وتسرد الوثيقة كذلك «أصول» الولايات المتحدة، لكنها لا تبذل أي جهد لشرح كيف ستؤثر سياسات الرئيس دونالد ترامب الداخلية، مثل التحركات ضد استقلال الجامعات أو حملات الترحيل العدوانية، في قدرة البلاد على صون تلك المزايا. ولا تحاول أيضا تنظيم هذه الأصول في استراتيجية فعلية. بدلا من ذلك، تكتفي بعرض مبادئ مثل «الواقعية المرنة»، التي رد عليها أحد الظرفاء على وسائل التواصل بأنها «السريالية المرنة»، من دون توضيح كيف ستُترجم إلى سياسات وموازنات. وهي، في الوقت نفسه، تعيد إنتاج «قوائم الأمنيات» في الاستراتيجيات السابقة التي تسخر منها.
والتناقضات فيها لا تُحصى. فالوثيقة تمتدح «السيادة والاحترام» لكنها تهاجم بعنف قرارات سيادية أوروبية وتدعو إلى التدخل في مساراتها السياسية. وتتضمن أيضا لحظات مدهشة من انعدام الوعي بالذات، مثل العبارة المطمئنة بلا اكتراث بأن «الأقسام والوكالات في حكومة الولايات المتحدة مُنحت صلاحيات مرعبة. ويجب ألا يُساء استخدام تلك الصلاحيات أبدا». ومن “الروائع” الأخرى، إذا أخذنا في الاعتبار تدمير إدارة ترامب لخمسة وعشرين عاما من السياسات التي هدفت إلى استمالة الهند نحو تعاون أوثق، دعوتها إلى أن واشنطن «يجب أن تواصل تحسين العلاقات التجارية (وغيرها) مع الهند».
تهاجم الوثيقة النخب واستراتيجياتها السابقة بحجة أنها «أساءت كثيرا تقدير استعداد أمريكا لتحمل الأعباء العالمية إلى الأبد، وهي أعباء لم ير الشعب الأمريكي لها صلة بالمصلحة الوطنية». وهذا يكرر فكرة إدارة بايدن الخاطئة القائلة إن السابقين أخفقوا في التركيز على «سياسة خارجية للطبقة الوسطى». كلا المقاربتين تعجزان ببساطة عن بناء الحجة التي تقول إن نظاما دوليا مستقرا، تسنده مظلة الأمن الأمريكية، يعزز ازدهار الأمريكيين وغيرهم، ويخلق حوافز لتعاون طوعي من الدول الأخرى من أجل صون القوة الأمريكية.
لكن هذه «الاستراتيجية» لا تحمل أي أجندة إيجابية تسعى إلى دفعها قدما، ولا تقدم سببا واحدا يجعل الدول الأخرى تساعد أو تقبل بالمصالح الأمريكية. فهي تنص على أن «شؤون الدول الأخرى لا تعنينا إلا إذا كانت أنشطتها تهدد مصالحنا مباشرة». فكيف يمكن لإدارة ترامب إقناع دول أخرى بمساعدة الولايات المتحدة في تحقيق مصالحها؟
جواب الإدارة هو أن كل دولة ستدفع مصالحها الخاصة. لكنها تفترض على نحو زائف، أنه بينما تتدخل هي في سياسات الدول الداخلية ولا تقدم لها عونا ولا حماية، ستستمر تلك الدول في تيسير العمليات العسكرية الأمريكية والمشاركة فيها، واستخدام الأنظمة المالية الأمريكية في وقت بات واضحا أن واشنطن تسلح هذا الوصول، وشراء المنتجات الأمريكية، ومنح الولايات المتحدة نفاذا إلى مواردها وأسواقها.
وغالبا ما تكون الإخفاقات الاستراتيجية إخفاقات في الخيال أيضا. إنها استراتيجية تفتقر إلى الخيال الذي يمكنها من توقع أن دولا أخرى بدأت بالفعل تُوازن مخاطر الارتهان للقوة الأمريكية، وقد تمضي لبناء نظامٍ ما بعد أمريكي يقيها من النفوذ الأمريكي. العولمة تتقدم، وهذه الاستراتيجية ستضمن أنها ستتقدم من دون الولايات المتحدة. وهذا يعني أن أهداف هذه الاستراتيجية ستكون غير قابلة للتحقيق.
ما تفعله هذه الوثيقة التي تُسمي نفسها استراتيجية هو رفض قيم النظام الدولي الذي تشكل بعد عام 1945. فهي لا تُبدي اهتماما يُذكر بالنزاعات بين الدول، بل إن غزو روسيا لأوكرانيا لا يرد إلا على نحو عابر، ولا تتعامل مع الطبيعة الأيديولوجية للدول السلطوية بوصفها مشكلة. وهي قاسية جدا في نقد الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، تلك التي تضاعف القوة الأمريكية، لكنها ليست كذلك تجاه الدول التي تعمل فعليا على تقويض القوة الأمريكية.
ما توضحه هذه «الاستراتيجية» بجلاء هو أن الحرب الوحيدة التي تريد إدارة ترامب خوضها هي حرب ثقافية. وهي ترى خصوم الولايات المتحدة شركاء في تلك الحرب، لكنها لا ترى مقدار ما تعتمد عليه القوة الأمريكية من مساعدةٍ طوعية تقدمها دول أخرى.
كما أنها لا تدرك أنه إذا لم تكن الولايات المتحدة القوة المهيمنة في النظام الدولي فستُخضع لقواعد الآخرين. أصدقاء الولايات المتحدة وحلفاؤها سيصابون باليأس من هذه الاستراتيجية، أما أعداؤنا فسيطربون لها.


